اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د علي الطراونة يكتب: الأردن بين العملاقين : كيف يصنع جسرا اقتصاديا تنافسيا بين السوق الأمريكي والصيني ؟

د علي الطراونة يكتب: الأردن بين العملاقين : كيف يصنع جسرا اقتصاديا تنافسيا بين السوق الأمريكي والصيني ؟
نبأ الأردن -
في السياسة، كما في الاقتصاد، ليست المشكلة دائماً في وجود القوى الكبرى، بل في طريقة تعامل الدول الصغيرة معها.
فحين تتصارع العمالقة، يخاف البعض من أن يُسحق تحت أقدامهم، بينما يرى آخرون في حركة العمالقة فرصة لفتح مساحات جديدة للمناورة والربح والنفوذ.
واليوم، يقف الأردن أمام واحدة من أكثر اللحظات الاقتصادية تعقيداً وإثارة في العالم المعاصر: منافسة أمريكية–صينية تتجاوز حدود التجارة، وتمتد إلى التكنولوجيا، والطاقة، والصناعة، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والموانئ، والأسواق.
واشنطن تريد حماية نفوذها الاقتصادي العالمي. وبكين تريد إعادة رسم خريطة الاقتصاد الدولي. وبينهما، يقف العالم كله أمام سؤال كبير: من سيربح؟
لكن السؤال الأردني يجب أن يكون مختلفاً تماماً:
كيف يمكن للأردن أن يربح مهما كان المنتصر؟
هذه هي النقطة التي يجب أن تبدأ منها أي رؤية اقتصادية أردنية للمرحلة المقبلة.
الأردن ليس مضطراً للاختيار وأكبر خطأ يمكن أن ترتكبه الدول الصغيرة هو الاعتقاد بأن عليها دائماً اختيار أحد المعسكرين.إما واشنطن أو بكين.إما الغرب أو الشرق ,إما التكنولوجيا الأمريكية أو الصناعة الصينية.
لكن الاقتصاد لا يعرف لغة العواطف السياسية بقدر ما يعرف لغة المصالح.
والأردن، الذي نجح تاريخياً في بناء علاقات سياسية متوازنة مع مختلف القوى الدولية، يستطيع اليوم أن ينقل هذا التوازن من السياسة إلى الاقتصاد.
لماذا يجب أن يختار الأردن بين المستثمر الأمريكي والمستثمر الصيني؟ ولماذا لا تكون المنافسة الحقيقية هي: من منهما يستطيع أن يقدم للأردن أكثر؟
هنا يجب أن تتغير فلسفة التفكير، فبدلاً من أن يتنافس الأردن على جذب الاستثمارات، يجب أن يبدأ المستثمرون أنفسهم بالتنافس على الفرص التي يوفرها الأردن، وهذا لن يتحقق بالشعارات أو المؤتمرات، بل ببناء بيئة اقتصادية تجعل من المملكة موقعاً يصعب تجاهله.
لا نحتاج إلى سوق أكبر… بل إلى دور أكبر
لطالما كان حجم السوق الأردني أحد التحديات أمام الاستثمار، وعدد السكان محدود مقارنة بالأسواق الكبرى، والقوة الشرائية ليست بحجم الاقتصادات العملاقة.
لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى الأردن باعتباره مجرد سوق محلية،
ويجب ان لا يسوق الأردن باعتباره سوقاً ، بل باعتباره منصة، ومنصة للوصول إلى المنطقة ، و منصة للتصنيع والتصدير، ومنصة للخدمات الرقمية ومنصة للاستثمار في الطاقة، ومنصة تجمع بين الاستقرار السياسي والموقع الجغرافي والموارد البشرية.
الدولة الذكية لا تقيس نفسها فقط بعدد سكانها، بل بعدد الأسواق التي تستطيع الوصول إليها.
وهنا تحديداً تكمن الفرصة الأردنية.
أمريكا تملك التكنولوجيا… والصين تملك المصنع وهناك حقيقة لا يمكن تجاهلها في الاقتصاد العالمي ، فالولايات المتحدة ما زالت تقود جانباً كبيراً من الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة ، والصين أصبحت مصنعاً هائلاً للعالم.
فلماذا لا يستفيد الأردن من الاثنين؟
يمكن للشراكة مع الولايات المتحدة أن تفتح أمام الأردن آفاقاً أوسع في التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والصناعات الدوائية، والخدمات المتقدمة.
وفي الوقت نفسه، يمكن للشراكة الاقتصادية مع الصين أن تساعد الأردن في تطوير التصنيع والبنية التحتية والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية.
لكن القضية ليست في استقبال الاستثمار فقط، بل القضية هي في نوع الاستثمار، فالأردن لا يحتاج إلى رأس المال وحده، إنما يحتاج إلى المعرفة.
فالاردن لا يحتاج إلى مصنع يفتح أبوابه اليوم ويغلقها بعد خمس سنوات ،بل يحتاج إلى صناعة تنقل التكنولوجيا وتدرب الأردنيين وتفتح أسواقاً جديدة للمنتجات الوطنية.
المشكلة ليست في الصين… بل في طريقة التعامل معها، الصين ليست تهديداً اقتصادياً للأردن، كما أن الولايات المتحدة ليست حلاً اقتصادياً سحرياً، لكن التهديد الحقيقي هو أن يدخل الأردن في علاقة اقتصادية غير متوازنة مع أي طرف.
فإذا كانت العلاقة مع الصين تعني مزيداً من الاستيراد دون إنتاج، فإن العجز التجاري سيتوسع ، وإذا كانت العلاقة مع الولايات المتحدة تعني الاعتماد على المساعدات دون بناء قدرات إنتاجية، فإن الاقتصاد سيبقى هشاً.
الاقتصاد القوي لا يقوم على التبعية،بل على الشراكة ،والفرق بين الكلمتين كبير.
فالتبعية تعني أن تحتاج إلى الآخرين، أما الشراكة فتعني أن يحتاج الآخرون إليك أيضاً، وهذه هي المعادلة التي يجب أن يسعى الأردن إليها.
ومن هنا يجب ان ينظر الى العقبة انها ليست ميناءً فقط
في أي رؤية اقتصادية جديدة، يجب أن يُعاد التفكير في العقبة، فالعقبة ليست مجرد مدينة ساحلية أو بوابة بحرية للأردن، إنما يمكن أن تكون أحد أهم مفاتيح التحول الاقتصادي.
فالعالم اليوم يتحدث عن الموانئ وسلاسل الإمداد والممرات التجارية باعتبارها أدوات نفوذ اقتصادي، ومن هنا يمكن أن تتحول العقبة إلى مركز لوجستي وصناعي وتجاري يخدم الأردن والمنطقة، ولكن الميناء وحده لا يصنع مركزاً اقتصادياً.
المطلوب منظومة متكاملة من النقل والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والتخزين والخدمات الرقمية والجمارك الذكية ، وإذا أصبحت حركة البضائع في الأردن أسرع وأقل تكلفة وأكثر كفاءة، فإن الموقع الجغرافي سيتحول من مجرد نقطة على الخريطة إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
في القرن الماضي ، كانت الدول تتنافس على النفط والموارد الطبيعية.
أما القرن الحالي فيبدو مختلفاً ، فالمنافسة اليوم على الذكاء الاصطناعي و البيانات ، وعلى أشباه الموصلات ، البرمجيات ، و الطاقة النظيفة ، و العقول القادرة على إنتاج المعرفة.
وهنا يمتلك الأردن ثروة لا تُستثمر بما يكفي: الإنسان الأردني ، فالجامعات الأردنية تخرج آلاف الشباب سنوياً، لكن التحدي الحقيقي ليس في عدد الخريجين، بل في تحويلهم إلى قوة إنتاجية عالمية.
لماذا لا يصبح الأردن مركزاً إقليمياً للبرمجيات؟ ولماذا لا تصبح الشركات الأردنية جزءاً من الاقتصاد الرقمي العالمي؟ ولماذا لا يتم استقطاب شركات أمريكية وصينية لإنشاء مراكز بحث وتطوير داخل المملكة؟
فالدول التي تستثمر في الإنسان لا تخاف من تقلبات الأسواق، لأن المصنع يمكن أن ينتقل ، أما العقل، إذا تم الاستثمار فيه، فيستطيع أن يصنع مصنعاً جديداً.
وهنا يبرز السؤال الاقتصادي التقليدي هو: كيف نجذب المستثمر؟ او السؤال الاكثر جرأة: ماذا سيخسر المستثمر إذا لم يأتِ إلى الأردن؟
وهذا هو التحول الحقيقي في العقلية الاقتصادية، فالدول الناجحة لا تتوسل الاستثمار، بل تصنع أسباباً تجعل الاستثمار يبحث عنها.
والأردن يمتلك بعض هذه الأسباب بالفعل: الموقع، والاستقرار، والكفاءات البشرية، والعلاقات الدولية، و لكن امتلاك الميزة شيء، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية شيء آخر.
الفرصة لا تكفي ،فيجب أن تكون هناك سرعة في القرار ،وضوح في التشريعات ،استقرار في السياسات الاقتصادية ، وتسهيل حقيقي للمستثمر ،
فالمستثمر العالمي لا ينتظر طويلاً، ورأس المال لا يحب البيروقراطية ،
والفرص الاقتصادية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد ، فلا تجعلوا الأردن متفرجاً.
العالم اليوم يعيد ترتيب نفسه ، الشركات تعيد توزيع مصانعها ،الدول تبحث عن أسواق جديدة.
فالصراع الاقتصادي بين واشنطن وبكين سيستمر في إعادة رسم خريطة الاستثمار العالمي.
والسؤال هنا ليس: ماذا سيحدث؟ بل: أين سيكون الأردن عندما يحدث ذلك؟ هل سيكون مجرد متفرج ينتظر نتائج الصراع؟ أم سيكون لاعباً يعرف كيف يستفيد من حركة الآخرين؟ الاقتصاد العالمي لا ينتظر المترددين.
الدول التي تتحرك بسرعة تستطيع أن تحتل مواقع جديدة ، أما الدول التي تنتظر حتى تتضح الصورة، فقد تكتشف أن المقاعد المهمة قد تم حجزها.
والخلاصة تقول لا تختار بين العملاقين… اجعلهما يتنافسان عليك ، ربما لا يستطيع الأردن أن ينافس الولايات المتحدة أو الصين بحجم الاقتصاد أو القوة الصناعية.
المنافسة الحقيقية ليست دائماً بين الأحجام ، أحياناً تكون بين الأفكار ، وبين سرعة اتخاذ القرار، وبين القدرة على قراءة المستقبل.
الأردن لا يحتاج إلى أن يكون أمريكياً اقتصادياً ، ولا صينياً اقتصادياً
الأردن يحتاج إلى أن يكون أردنياً في مصالحه، ذكياً في تحالفاته، وجريئاً في رؤيته الاقتصادية ، فبدلاً من أن يسأل: إلى أي معسكر ننتمي؟
يجب أن يسأل: كيف نجعل كل المعسكرات الاقتصادية ترى في الأردن فرصة لا يمكن تجاهلها؟ وهذه ليست سياسة الحياد ، بل سياسة المصالح.
وليست محاولة للوقوف بين العملاقين ، بل محاولة لبناء اقتصاد يعرف كيف يستفيد من تنافسهما.
وفي عالم العمالقة، قد لا تكون المشكلة أن تكون دولة صغيرة ، المشكلة الحقيقية أن تفكر بعقلية صغيرة.
أما الأردن، فإن فرصته القادمة قد تكون في أن يفكر بحجم موقعه، وعقول أبنائه، وطموح المستقبل… لا بحجم اقتصاده الحالي فقط .


تحياتي
د علي الطراونة
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions