د.عبدالله محمد القضاه يكتب: يوسف باشا الحنيطي... حين يصبح الخُلُق هو الرتبة الأعلى
نبأ الأردن -
بعض الرجال تمنحهم المناصب ألقاباً ورتباً، وبعضهم يمنحون هم المناصب قيمةً وهيبةً ومعنى.
والفريق الطيار الركن المتقاعد يوسف الحنيطي من أولئك الذين تركوا في نفوس الناس أثراً لا يرتبط بمنصب أو رتبة، بل بما هو أعمق الأخلاق والوفاء والإنسانية وهنا توقفت أمام قصتين رُويتا عنه، لا لأنهما تتحدثان عن قائد جيش سابق، وإنما لأنهما تكشفان معدن الرجل حين لا يكون مضطراً لأن يفعل ما فعل!.
الأولى، قصة إنسان لجأ إلى والدة الباشا في يوم شتوي قاسٍ، يحمل هم زوجة مريضة وأربعة أطفال. لم ينتظر الرجل طويلاً؛ اتصلت والدته بابنها، فجاء الرد سريعاً، وكان حديثه مع الرجل ـ كما روى صاحب القصة ، حديث أخ لا حديث مسؤول، تكفّل بعلاج الزوجة، وأمّن نقلها إلى مدينة الحسين الطبية، وقال له ما معناه: "وأطفالك لا تشيل همهم."
ثم خرج الرجل من بيت الحاجة يحمل مالاً وطعاماً، وفي صباح اليوم التالي جاءت المساعدة إلى بابه ! قد لا يعرف الباشا أن هذه القصة رُويت عنه، وقد لا يعرف صاحبها أن كلماته ستصل إلى الناس، لكنه قال جملة تختصر الكثير: "الخير لازم ينذكر حتى لو صاحبه ما حكاه."
والقصة الثانية أكثر دلالة على معنى الوفاء.
عندما أصبح يوسف باشا الحنيطي قائداً للجيش، لم ينسَ قائده السابق في سلاح الجو الملكي، اللواء الركن الطيار المتقاعد العم المرحوم محمد باشا القضاه (أبو رامي)، فذهب بنفسه إلى منزله لزيارته. لم تمنعه الرتبة الجديدة من تذكر من كان قائده يوماً، ولم يجعله المنصب ينسى فضل الرجال الذين سبقوه.
وهنا تكمن عظمة الرجال!
أن تتذكر من وقف إلى جانبك عندما تصبح أنت في موقع القوة، وأن تكرم من سبقك عندما تصبح أنت صاحب القرار، وأن تفعل الخير دون أن تنتظر شكراً أو صورة أو تصفيقاً.
ولعل أجمل ما قيل في يوسف الحنيطي أن أبناء الجيش العربي أطلقوا عليه "يوسف الخير".
فالرتبة تُمنح بقرار، والمنصب ينتهي بقرار، أما سمعة الرجل وسيرته ووفاؤه فيبنيها الناس، وتحفظها الذاكرة.
ولهذا لم أستغرب أن تتجمع الجموع حول بيته بعد تقاعده؛ فالناس عادةً تتجمع حول صاحب المنصب حين يتولى منصبه، أما أن تتجمع حوله بعد أن يغادره، فهذه شهادة لا تحتاج إلى قرار ولا إلى منصب.
تحية لرجل بقيت إنسانيته أعلى من رتبته، ووفاؤه أكبر من منصبه، وسيرته أصدق من كل الألقاب.
يوسف باشا الحنيطي... بعض الرجال يغادرون المنصب، لكنهم لا يغادرون قلوب الناس.
























