اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. وليد العريض يكتب: الغابة التي احتاجت إلى قصة كي تقنع حيواناتها بأنها سعيدة

د. وليد العريض يكتب: الغابة التي احتاجت إلى قصة كي تقنع حيواناتها بأنها سعيدة
نبأ الأردن -

كان في الغابة مجلس عظيم لشؤون الحيوانات، يجتمع كلما جف النهر أو قل العشب أو ارتفع ثمن الشعير، وبعد ساعات من الخطب والمداولات كان الحكماء يخرجون غالبًا بالقرار التاريخي نفسه وهو تشكيل لجنة جديدة لدراسة الأسباب التي تجعل الحيوانات غير مقتنعة بأن الغابة تعيش أجمل عصورها.

وفي صباح مشمس خرج الثعلب كبير مستشاري المجلس يحمل ملفًا ضخمًا كُتب على غلافه بحروف مذهبة "الحكاية الجديدة للغابة السعيدة"، فدقت الطبول وعُلقت اللافتات واستُدعي الببغاء من وزارة الصدى وحضر القرد مدير دائرة التصفيق، بينما جلست البومة فوق سنديانة بعيدة تراقب المشهد بعينين تعرفان أكثر مما تقولان.

وقف الثعلب وأعلن أن المجلس اكتشف أخيرًا سبب قلق الحيوانات وتذمرها، فرفعت الأرانب آذانها واقترب الحمار الذي كان يحمل أكياس القمح وفاتورة الماء وضريبة المرعى، وانتظر الجميع تفسيرًا لجفاف النهر واختفاء العشب وغلاء الشعير لكن الثعلب أعلن أن المشكلة ليست في شيء من ذلك بل في أن الغابة تعاني من أزمة في "الحكاية الرسمية" .

صفق القرد وردد الببغاء عبارة الحكاية الرسمية حتى خُيّل لبعض الحيوانات أنها نوع جديد من الحبوب، فسأل الحمار عن معناها فأجابه الببغاء بأنها الطريقة التي يشرح بها المجلس للحيوانات أنها سعيدة، فنظر الحمار إلى المرعى اليابس وإلى ضلوع الأرنب البارزة وسأل ماذا لو لم تكن الحيوانات سعيدة أصلًا.

ابتسم الثعلب وقال إن الحل بسيط فإذا لم تقتنع الحيوانات بالحكاية الأولى نصنع حكاية ثانية أقوى منها وإذا بقيت غير مقتنعة نعقد مؤتمرًا لإعادة صياغتها، وعندها ضحكت البومة وقالت إن الغابة التي تحتاج إلى مؤتمر كي تقنع الأرنب بأن بطنه ممتلئة ربما تحتاج إلى جزرة أكثر من حاجتها إلى حكاية.

ثم أعلن الثعلب أن المرحلة الجديدة تتطلب من كل حيوان أن يصبح سفيرًا للغابة ومدافعًا عن قرارات مجلسها، فتقدم الحمار وقال إنه يدفع ضريبة الشعير ورسم المرعى وفاتورة الماء ورسم عبور الجسر ورسم صيانته مع أن نصفه سقط في النهر، ثم يُطلب منه بعد كل ذلك أن يعمل موظف علاقات عامة مجانيًا ليشرح للحيوانات كم كانت الأحمال فوق ظهره خفيفة.

اعترض القرد قائلًا إن الدفاع عن قرارات المجلس واجب وطني، فرد الحمار بأنه مستعد للدفاع عن الغابة إذا جاء الذئب ومستعد لحمل حجارتها إذا تعرضت للخطر، لكنه لا يفهم لماذا يكون مطالبًا بالقول إن العشب أخضر حين يكون أصفر أو أن النهر ممتلئ حين تستطيع السلحفاة عبوره مشيًا دون أن يبتل ظهرها.

قال الحمار إنه يحب الغابة لأنها الأرض التي وُلد فيها وعاش أبوه تحت أشجارها وشربت أمه من نهرها ولعب صغاره فوق ترابها، ولذلك فهو لا يحتاج إلى ببغاء يحمل أوراقًا مختومة ليعلمه معنى الانتماء، لكنه يعرف أن حب الغابة لا يعني حب كل ثعلب يجلس خلف مكتب فيها فالوطن شيء ومن يدير شؤونه شيء آخر.

صرخت إحدى الضباع بأن الحمار يريد هدم الغابة، فنظر إليها وقال إنه لو أراد هدمها لما أمضى حياته يحمل حجارتها فوق ظهره، فالحيوان الذي يحذر من النار ليس عدوًا للشجرة والذي يشير إلى تشقق الجدار لا يريد هدم البيت.

قال الثعلب إن كثرة الانتقاد تسيء إلى صورة الغابة أمام جيرانها، فردت البومة بأن المشكلة ليست في صورة الغابة بل في الغابة نفسها، فإذا كانت هناك حفرة في الطريق فالحل أن تُردم الحفرة لا أن يُمنع الأرنب الذي سقط فيها من الحديث عنها لأن إسكات من يصف المشكلة لا يجعلها تختفي.

عندها تشجعت الحيوانات وقال الأرنب إنه ينتظر منذ سنوات قطعة صغيرة من المرعى وقال الغزال إنه يبحث عن الماء لصغاره، فقفز الببغاء معلنًا أن التقارير تؤكد وجود إنجازات عظيمة ولما سألته البومة أين هي قلب صفحات ملفه طويلًا وقال إنها موجودة بالتأكيد لأن التقرير يقول إنها موجودة، فضحكت الحيوانات وأدركت أن بعض الإنجازات تعيش فوق الورق حياة أكثر رخاءً من حياة الحيوانات.

قال الحمار إن لديه خطة أرخص من كل اللجان والحكايات، ازرعوا العشب وسوف تقول الحيوانات إن المرعى أخضر ونظفوا النهر وسوف تعرف أن الماء صافٍ وطبقوا القانون على الأسد والأرنب معًا وسوف يصدق الجميع أن العدالة موجودة، فلا حاجة إلى ألف خطاب لإقناع حيوان بحقيقة يستطيع أن يراها في حياته.

غضب القرد وقال للحمار إنه في النهاية مجرد حمار، فابتسم الحمار وقال إن المجلس يتذكر أنه مواطن كامل عندما يحين موعد الضرائب ويتذكر أنه شريك عندما يحتاج إلى من يحمل الأثقال ويتذكر أنه ابن أصيل للغابة عندما يحتاج إلى صوته، لكنه يتحول فجأة إلى مجرد حمار عندما يسأل أين ذهب الشعير.

وصل الأسد وسأل عن سبب الضجيج فأخبره الثعلب أن الحمار لا يفهم الحكاية الرسمية ويطرح أسئلة كثيرة، فنظر الأسد إليه وسأله عما يريد، فأجاب بأنه يريد أن يعرف لماذا تكون الواجبات للجميع حين توزع بينما تصبح الحقوق شديدة الانتقائية حين يحين موعد توزيعها.

قال الحمار إن الغابة ليست الأسد ولا الثعلب ولا الببغاء ولا المجلس فكل هؤلاء يأتون ويرحلون أما الأرض والأشجار والنهر والحيوانات فتبقى، ومن يدير الغابة ليس مالكًا لها بل مؤتمن عليها، ومن حق أبسط حيوان أن يسأل أعظم مسؤول ماذا فعل بالأمانة التي وُضعت بين يديه.

قال الثعلب إن الاستقرار يحتاج إلى شيء من الصمت، فأجابته البومة بأن المقبرة أكثر الأماكن صمتًا ومع ذلك لا يرغب أحد في العيش فيها، فالغابة المستقرة ليست التي تصمت حيواناتها خوفًا بل التي تستطيع أن تسأل وتنتقد دون أن يتحول السؤال إلى تهمة لأن الخطأ الذي يُمنع الحديث عنه لا يختفي بل يكبر في الظلام.
سأل الأسد الحمار عن الوطنية فقال إنها أن يحب الحيوان الغابة أكثر من خوفه من المسؤول وأن يدافع عنها إذا هاجمها الذئب ويدافع عنها أيضًا إذا أكل الفساد جذورها، وأن يحترم القانون ويطالب بأن يحترمه الأسد قبله فالقانون الذي يصطاد العصافير ويترك الوحوش الكبيرة تمر ليس قانونًا بل شبكة ذات ثقوب محسوبة.

ثم سأل الثعلب عما يفعل بملف "الحكاية الجديدة" فقال الحمار احتفظوا به للشتاء فقد تكون أوراقه مفيدة لإشعال النار، فضحكت الحيوانات وأدرك الببغاء أن أربعين صفحة من الكلام قد تكون أقل قيمة عند الأرنب من جزرة واحدة وأن الحيوان الجائع لا تستطيع البلاغة أن تقنع معدته بالشبع.

حمل الحمار أكياسه واستعد للرحيل فسأله الأسد من سيكتب الحكاية الجديدة إذا ألقيت الأوراق جانبًا، فتوقف الحمار وقال لا تكتبوها بل اصنعوها في حياة الحيوانات واحموا كرامتها واحترموا عقولها وافتحوا لها أبواب المشاركة والمساءلة، وعندها لن تحتاجوا إلى مطالبتها بحب الغابة لأن الحيوان يدافع بالفطرة عن المكان الذي يشعر فيه بأنه شريك لا مجرد رقم في دفاتر المجلس.
وفي صباح اليوم التالي وجدت الحيوانات على جذع السنديانة عبارة كُتبت بالفحم تقول إن أقوى حكاية عن الغابة ليست ما يقوله مجلسها عنها بل ما تعيشه الحيوانات فيها، وتحتها أن الحيوان الذي يسأل ليس عدوًا للغابة بل ربما كان أكثر خوفًا عليها ممن يصفق لها، ثم بحث الحراس عن الحمار الذي كتب العبارة ولم ينتبهوا إلى أن المسألة لم تعد تتعلق بحمار واحد لأن الغابة كلها كانت قد بدأت تفكر.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions