عبدالله بني عيسى يكتب: فرح.. ما الذي ستضيفه إلى مشهد الإعلام؟
نبأ الأردن -
أطلقت الحكومة اليوم ناطقاً افتراضياً رقمياً، أو ناطقة، اسمها «فرح». وكالعادة تنوعت ردود الفعل بين مرحب ـ وهم قلة ـ ومتهكم، وبين من ذهب إلى أمنية لافتة: أن تكون «فرح» أفضل من نظرائها البشر.
لكنني أظن أن النقاش الحقيقي في مكان آخر تماماً.
مشكلة الأردن خلال السنوات الأخيرة لم تكن في غياب الناطق الرسمي على مدار الساعة، ولا في أن الناطق يحتاج إلى إجازة أو قد يتأخر في الرد. المشكلة كانت، وما تزال، في الكلام الذي يفترض بالناطق أن يقوله.
الصحفي المحترف، بعيداً عن هواة الأسئلة والضجيج على المنصات، لا يبحث من الناطق الرسمي عن جمل إنشائية أو عبارات معدة مسبقاً. ما يبحث عنه هو ما يبحث عنه الصحفي في كل مكان: المعلومة أولاً، والبيانات والأرقام في وقتها، وبقدر كافٍ من التفصيل والشفافية، مع القدرة على تفسيرها ووضعها في سياقها.
ولهذا أخشى أن تكون «فرح» في النهاية مجرد واجهة ذكية لأرشيف خبري أُعد سلفاً للنشر، أو لمعلومات سبق نشرها، من دون صلاحية حقيقية للوصول إلى قواعد البيانات الحكومية والبيانات الجديدة لحظة توفرها.
وحتى لو امتلكت هذه الصلاحية، فثمة مشكلة أخرى أكثر جوهرية.
هل تستطيع «فرح» أن تبدي رأياً سياسياً في قضية خلافية؟
هل تستطيع أن تشرح لماذا اتخذت الحكومة قراراً مثيراً للجدل؟
هل تستطيع أن تفنّد رواية معارضة، أو تعترف بخطأ حكومي، أو تقول إن تقديراً سابقاً لم يكن دقيقاً؟
غالباً لا.
لأن أي رأي سياسي ستقوله «فرح» سيكون، بالضرورة، رأي الحكومة أو ما لدى الحكومة من إجابات جاهزة. وهنا ستتحول من أداة اتصال إلى أداة لإعادة إنتاج الرواية الرسمية.
لذلك لا أتصور أن «فرح» ستضيف كثيراً إلى المشهد، وأخشى أن تتحول سريعاً إلى مادة للتندر بين الصحفيين، ليس لأنها رقمية، وإنما لأن الصحفي سيكتشف أنها لا تملك ما يحتاج إليه.
الحقيقة أن الأردن كان يحتاج، خلال السنوات الماضية كما يحتاج اليوم، إلى ناطق رسمي يمتلك البيانات أولاً، ويعلنها بشفافية، ويستطيع أن يفسرها ويحللها ويضعها في سياقها السياسي والاقتصادي، وأن يبررها ويدافع عنها ويفند ما يلزم تفنيده منها.
ناطق يستطيع أن يقول أكثر مما ورد في البيان.
ناطق يعرف لماذا اتُخذ القرار، لا ماذا كان نصه فقط.
ناطق يستطيع أن يتعامل مع الأسئلة الصعبة، لا أن يعيد تدوير الإجابات الجاهزة.
وهذه ليست مسألة ذكاء اصطناعي.
إنها مسألة معلومات، وشفافية، وسرعة، وثقة، وقدرة على بناء رواية رسمية مقنعة.
إذا كانت هذه الأشياء موجودة، فستكون «فرح» أداة مفيدة جداً لتقديمها للناس.
أما إذا لم تكن موجودة، فلن يصنع الذكاء الاصطناعي منها ناطقاً نجيباً هو ضالتنا التي نبحث عنها.
فالناطق، في النهاية، لا يصنع الكلام. الحكومة هي التي تصنعه.
























