وائل منسي يكتب: سنغافورة الأردنية.. المنهج لا النسخة
نبأ الأردن -
عندما خرجت سنغافورة من الاتحاد الماليزي عام 1965، بدت كدولة محكوم عليها بالفشل: مساحة صغيرة، موارد طبيعية محدودة، لا نفط ولا زراعة، بطالة وعشوائيات وانقسامات مجتمعية، وحتى المياه كانت تستوردها من ماليزيا.
لكن سنغافورة لم تسأل ماذا تملك، بل كيف تحول ما تملك إلى قيمة. ومن هنا بدأت قصتها.
حوّلت موقعها الجغرافي إلى ميناء عالمي، والميناء إلى قاعدة صناعية ولوجستية، ثم إلى مركز مالي وتكنولوجي. بنت الإسكان كأداة للاستقرار والانتماء، وحاربت الفساد والكفاءة الإدارية بمنطق صارم، واستثمرت في الإنسان قبل الحجر. والأهم أنها لم تتعامل مع التعليم باعتباره مصنعاً للشهادات؛ بدأت بالتعليم الأكاديمي، ثم طورت التعليم التقني والمهني وربطته بالصناعة وسوق العمل، قبل أن تنتقل إلى اقتصاد المعرفة والابتكار.
كما فتحت أبوابها لرأس المال والكفاءات العالمية، لا لاستيراد الأموال فقط، بل لاستيراد التكنولوجيا والخبرة والأسواق.
هذه ليست قصة جزيرة صغيرة فحسب؛ إنها قصة دولة عرفت كيف تدير محدودية مواردها.
وهنا تكمن أهمية التجربة للأردن.
فنحن أيضاً دولة محدودة الموارد، لكن لدينا موقع استراتيجي، وشباب وكفاءات، وجامعات، وقطاعات واعدة، ومدن تمتلك إمكانات اقتصادية واجتماعية مختلفة.
المشكلة ليست دائماً في ندرة الموارد، بل في نموذج إدارتها؛ فما زالت البيروقراطية والمركزية والثقافة الإدارية التقليدية تثقل القرار، بينما يقاس الأداء أحياناً بعدد المعاملات والمخاطبات، لا بحجم القيمة التي يخلقها.
لكن الأردن لا يحتاج إلى أن يصبح سنغافورة، ولا يستطيع أن يكون نسخة طبق الأصل عنها.
المطلوب هو استلهام المنهج لا استنساخ النموذج: دولة أكثر كفاءة، إدارة أسرع، تعليم مرتبط بسوق العمل، توسع حقيقي في التعليم التقني والمهني، استثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، جذب للكفاءات والاستثمار، وقياس للنجاح بالأثر الاقتصادي والاجتماعي.
والأهم أن نعيد تعريف المدن الأردنية. فالعقبة ليست إربد، والزرقاء ليست السلط، والكرك ليست عمّان.
لكل مدينة مواردها وهويتها وسكانها وميزتها التنافسية.
لذلك نحتاج إلى سنغافورة أردنية في كل مدينة: مدينة صناعية، وأخرى زراعية ذكية، وأخرى لوجستية، وأخرى سياحية، وأخرى تكنولوجية ومعرفية، وفق إمكاناتها لا وفق قالب مركزي واحد.
المطلوب ليس لامركزية إدارية تنقل بعض الصلاحيات، بل لامركزية اقتصادية تمنح المدن القدرة على إنتاج الفرص وجذب الاستثمار وبناء المهارات.
البداية الواقعية تكون من قرار سياسي واضح يعتبر التنافسية الاقتصادية للمدن مشروعاً وطنياً، ثم اختيار عدد محدود من المدن كنماذج تجريبية، ومنحها صلاحيات اقتصادية وإدارية أوسع، وربط هذه الصلاحيات بمؤشرات أداء معلنة: الاستثمار، الوظائف، الصادرات، الإنتاجية، جودة الخدمات، ونمو الإيرادات المحلية. وفي الوقت نفسه، تُراجع الإجراءات الحكومية التي تعطل الاستثمار، وتُدمج المتشابهة منها، ويُحدد لكل معاملة سقف زمني ومسؤول واضح عن إنجازها.
المطلوب تحويل اللامركزية من نص قانوني إلى مشروع اقتصادي، وربط الجامعات ومؤسسات التعليم والتدريب المهني باحتياجات كل مدينة، وتوجيه جزء من الإنفاق العام نحو القطاعات التي تستطيع خلق قيمة وفرص عمل حقيقية، مع شراكة جادة مع القطاع الخاص والمجتمع المحلي.
السياسة الواقعية هنا ليست في كثرة الوعود، بل في اختيار أولويات قليلة، ومنحها صلاحيات، وقياس نتائجها، ومحاسبة المسؤول عنها. فإذا نجحت مدينة، نوسع التجربة؛ وإذا فشلت، نصححها.
هكذا تُبنى الإصلاحات: بالتجريب المنضبط، والبيانات، والمساءلة، والتدرج، لا بالشعارات.
ولا يحتاج إلى تقليد سنغافورة، بل إلى اكتشاف إمكاناته الخاصة وتحويلها إلى مزايا تنافسية.
نستطيع أن نبدأ اليوم بصناعة أول مدينة أردنية تنافس سنغافورة في كفاءتها، لا في شكلها.
ثم نبني عليها مدينة بعد أخرى، حتى يصبح الإصلاح الاقتصادي مشروعاً وطنياً تتنافس المدن في إنجازه، لا ملفاً بيروقراطياً ينتظر القرار من المركز.

























