د.عبدالكريم السويلمين يكتب : حين يصبح الشباب شركاء في صناعة المستقبل
نبأ الأردن -
في زمن تتسارع فيه التحولات العالمية وتتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لم يعد الاستثمار في البنية التحتية أو الموارد المادية وحده كافياً لتحقيق التنمية المستدامة، بل أصبح الاستثمار في الإنسان، وخاصة الشباب، الركيزة الأكثر أهمية لبناء المستقبل. ومن هنا تبرز أهمية «البرنامج الوطني لتنمية مهارات الشباب والشابات القيادية» بوصفه مبادرة وطنية نوعية تجسد رؤية متقدمة لتمكين الشباب الأردني وإعداده للمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية وصناعة القرار.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، تمثل المبادرة نقلة نوعية في مفهوم إعداد القيادات الشابة، إذ تجمع بين بناء المعرفة وتنمية المهارات وتعزيز الوعي الوطني، وتمنح الشباب والشابات فرصة للاحتكاك بالتجارب العملية والتعرف إلى القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشكل حاضر الوطن ومستقبله. فإعداد القيادات لا يقتصر على اكتساب المعرفة، وإنما يتطلب أيضاً بناء شخصية قادرة على فهم الواقع والتعامل مع تحدياته بوعي ومسؤولية.
وإذا كانت هذه المهارات تبدأ من بناء الفرد، فإن أثرها الطبيعي يتجاوز الفرد إلى المجتمع. فكل شاب يكتسب مهارات القيادة والحوار والتفكير النقدي يصبح قادراً على التأثير الإيجابي في محيطه الأسري والجامعي والمجتمعي. كما تسهم هذه المبادرات في نشر ثقافة المبادرة والعمل الجماعي وتعزيز قيم المواطنة والانتماء والمسؤولية المجتمعية. وعندما تتسع دائرة الشباب المؤهلين للقيادة، فإن المجتمع يربح طاقات جديدة قادرة على ابتكار الحلول والمساهمة في مواجهة التحديات التنموية بوعي وكفاءة.
ولا يتوقف هذا الأثر عند حدود المبادرة الفردية، بل يمكن أن ينعكس على طبيعة العلاقة بين الشباب ومؤسسات المجتمع والدولة. فمن أبرز الآثار المتوقعة تعزيز الثقة بين الشباب والمؤسسات الوطنية، وتوسيع المشاركة المجتمعية، وتشجيع العمل التطوعي، ورفع مستوى الوعي بالقضايا العامة. كما تساعد مثل هذه المبادرات في بناء جسور من الحوار بين مختلف فئات المجتمع، بما يرسخ قيم الاعتدال والتعاون والتماسك الاجتماعي.
غير أن الوصول إلى هذه النتائج يتطلب النظر إلى ما بعد مرحلة التدريب نفسها؛ فنجاح مثل هذه البرامج لا يقاس بعدد المشاركين فيها أو بعدد الساعات التدريبية التي يتلقونها، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى سلوك، والمهارة إلى ممارسة، والطموح الفردي إلى أثر عام. فالشاب الذي يتعلم كيف يدير الحوار، ويحلل المعلومة، ويتخذ القرار، ويعمل ضمن فريق، ويتحمل المسؤولية، يكتسب في الحقيقة أدوات المشاركة الفاعلة في بناء الدولة والمجتمع. ومن هنا تبرز ضرورة أن تترافق مخرجات البرنامج مع مساحات عملية تتيح للشباب ترجمة ما تعلموه إلى مبادرات ومشروعات وأفكار قابلة للتطبيق، بحيث لا تبقى القيادة مفهوماً نظرياً داخل قاعات التدريب، بل تصبح ثقافة يومية وممارسة مجتمعية.
ومن أجل تحويل هذه الرؤية إلى ممارسة مستدامة، تبرز الجامعات الأردنية بوصفها شريكاً أساسياً في هذا المسار. فهي مطالبة بأن تكون فاعلاً حقيقياً في نشر ثقافة القيادة بين الطلبة، وتحفيزهم على الالتحاق بمثل هذه البرامج الوطنية، وتوفير البيئة التي تساعدهم على توظيف ما يكتسبونه من معارف ومهارات. فالجامعة الحديثة لم تعد مكاناً لتلقي المعرفة فقط، بل مؤسسة لصناعة القيادات وإعداد الكفاءات القادرة على إحداث التغيير الإيجابي.
وفي هذا الإطار، فإن دور الطلبة لا ينبغي أن يتوقف عند المشاركة في البرنامج، بل يمتد إلى استثمار مخرجاته في حياتهم الجامعية والمجتمعية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال المشاركة المنتظمة في أنشطة البرنامج وورش العمل، وتكوين فرق طلابية لتنفيذ مبادرات مجتمعية، وتوثيق الخبرات والمهارات المكتسبة في ملفات مهنية، والاستفادة من شبكات العلاقات التي يوفرها البرنامج، وربط المشاريع الجامعية بقضايا المجتمع المحلي، وتخصيص ساعات للعمل التطوعي المرتبط بمخرجات البرنامج، إضافة إلى نقل المعرفة المكتسبة إلى الزملاء داخل الحرم الجامعي.
ولتعزيز هذا الدور، يمكن البناء على مخرجات البرنامج من خلال تأسيس نوادٍ قيادية جامعية تُعنى بالحوار والتدريب وتنفيذ المبادرات المجتمعية، بما يسهم في تحويل المهارات المكتسبة إلى ممارسات مستدامة، ويعزز حضور الشباب في الحياة الجامعية والمجتمعية، ويمنحهم مساحة حقيقية لترجمة أفكارهم وقدراتهم إلى أثر ملموس.
وبذلك، فإن الاستثمار في الشباب لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره استثماراً في أفراد منفصلين، وإنما في قاعدة بشرية قادرة على صناعة الأثر وتوسيع دائرة المشاركة وتحمل المسؤولية. فكلما اتسعت دائرة الشباب المؤهلين للقيادة، ازدادت قدرة المجتمع على إنتاج الأفكار والحلول والتعامل مع تحديات المستقبل بوعي وكفاءة.
ختاماً، فإن البرنامج الوطني لتنمية مهارات الشباب والشابات القيادية ليس مجرد مشروع تدريبي عابر، بل استثمار استراتيجي في مستقبل الأردن. فالأمم تبنى بعقول أبنائها وكفاءاتهم، وكل مبادرة تكتشف طاقات الشباب وتمنحهم المساحة للإبداع والقيادة هي خطوة إضافية نحو وطن أكثر قوة وازدهاراً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل. إن دعم هذه المبادرة وتوسيع نطاقها يمثل مسؤولية مشتركة بين المؤسسات التعليمية والمجتمع والقطاعين العام والخاص، لأن الرهان الحقيقي على المستقبل يبدأ من الشباب.























