اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

غازي أبو جنيب الفايز يكتب: تغيير رئيس هيئة الأركان… يتجاوز تغيير الأسماء.

غازي أبو جنيب الفايز يكتب: تغيير رئيس هيئة الأركان… يتجاوز تغيير الأسماء.
نبأ الأردن -
ليس كل تغيير في موقع رئيس هيئة الأركان المشتركة مجرد تغيير في الأسماء، خصوصاً عندما يحدث في الأردن، وفي توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتسارع فيه التحولات الأمنية والعسكرية من حولنا.

فالإرادة الملكية بتعيين اللواء الركن مجدي الحراسيس رئيساً لهيئة الأركان المشتركة، وترفيع الفريق الركن يوسف الحنيطي إلى رتبة فريق أول ثم إحالته إلى التقاعد، تفتح الباب أمام قراءة تتجاوز حدود التغيير العسكري والإداري إلى دلالات المرحلة المقبلة.

فلماذا الآن؟

السؤال مشروع، لا من باب التشكيك في القرار، وإنما من باب محاولة فهم توقيته ودلالاته.

فالأردن يقف اليوم في قلب إقليم يعاد تشكيله أمنياً وعسكرياً؛ حروب وصراعات مفتوحة، تهديدات عابرة للحدود، تطور متسارع في أدوات الحرب الحديثة، وتحديات لم تعد تقتصر على الأسلحة التقليدية، بل تمتد إلى المسيّرات والصواريخ والحرب الإلكترونية والأمن السيبراني والتهديدات الاستخبارية.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح اختيار قائد المؤسسة العسكرية جزءاً من الاستعداد للمرحلة المقبلة، وليس مجرد تداول وظيفي.

والأكثر دلالة أن الرسالة الملكية إلى رئيس هيئة الأركان الجديد لم تقتصر على التهنئة، وإنما حملت تكليفاً واضحاً يتعلق بمتابعة إعادة هيكلة القوات المسلحة، وتطوير إمكانياتها، وتحديث أدواتها، ورفع مستويات الكفاءة والجاهزية لمواجهة التحديات والتهديدات المستجدة.

وهنا تكمن أهمية القرار.

فالرسالة الملكية لا تعني بالضرورة أن الأردن يواجه أزمة، وإنما تعكس إدراكاً بأن طبيعة التهديدات تتغير، وبالتالي فإن أدوات مواجهتها يجب أن تتطور هي الأخرى.

ومن هذه الزاوية، قد يكون السؤال الأهم ليس: لماذا غادر رئيس الأركان السابق؟ وإنما: ما الذي يُراد أن تكون عليه القوات المسلحة الأردنية في المرحلة المقبلة؟

أما الحديث عن «إبعاد» الفريق الركن يوسف الحنيطي، فأرى أنه يحتاج إلى قدر من الموضوعية وعدم الاستعجال في الاستنتاج. فالمعلن رسمياً لا يحمل إشارة إلى إبعاد عقابي، بل إن الرجل رُفّع إلى رتبة فريق أول قبل إحالته إلى التقاعد، وهو ما يجعل أي تفسير يتجاوز ذلك مجرد قراءة سياسية لا يمكن الجزم بها.

لكن في المقابل، فإن طول فترة بقائه في موقعه، ثم انتقال القيادة في هذه اللحظة الإقليمية تحديداً، يجعل من المشروع التوقف عند دلالات التوقيت، دون تحويلها إلى أحكام مسبقة.

واللافت أيضاً أن اختيار اللواء الركن مجدي الحراسيس، بما ارتبط به جزء مهم من مسيرته المهنية من العمل في المجالات الاستخبارية والأمنية، يمكن أن يُقرأ باعتباره مؤشراً على أهمية بناء مقاربة أكثر تكاملاً للأمن الوطني، تجمع بين القوة العسكرية والعمل الاستخباري والتكنولوجيا والقدرة على الاستباق.

وهذا أمر بات ضرورياً في الحروب الحديثة، حيث لم يعد التفوق العسكري مرتبطاً فقط بعدد الجنود والأسلحة، وإنما بامتلاك المعلومات، وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على اكتشاف التهديد قبل تحوله إلى خطر.

لذلك، فإن التغيير الحقيقي قد لا يكون في شخص رئيس الأركان بقدر ما قد يكون في طبيعة المرحلة التي تستعد لها الدولة الأردنية.

فالأردن لا يملك رفاهية انتظار نتائج التحولات الإقليمية حتى تتضح صورتها كاملة؛ فموقعه الجغرافي يجعله في قلب هذه التحولات، وحدوده وأمنه الوطني يتأثران مباشرة بما يجري حوله.

ومن هنا يمكن قراءة إعادة هيكلة القوات المسلحة وتحديث قدراتها باعتبارها رسالة إلى الداخل والخارج معاً:

الأردن يرفع جاهزيته، ويطور أدوات قوته، ويعيد ترتيب أولوياته الدفاعية، ويستعد لمرحلة قد تكون مختلفة عما سبقها.

ويبقى السؤال الأهم:

هل نحن أمام تغيير في قيادة الجيش فقط، أم أن هذا القرار يمثل بداية إعادة صياغة أوسع لمنظومة الدفاع والأمن الوطني الأردني، بما يتناسب مع شرق أوسط جديد يتشكل أمام أعيننا؟

لا أعتقد أن الإجابة يمكن أن تكون فورية.

فبعض القرارات الكبرى لا تُفهم من لحظة صدورها، وإنما من الخطوات التي تأتي بعدها.

ولهذا، فإن الأيام والأشهر المقبلة، وما ستشهده المؤسسة العسكرية من إعادة هيكلة وتحديث وتطوير في القدرات والأدوار، ستكون هي المفتاح الحقيقي لفهم أبعاد هذا القرار.

أما المؤكد، فهو أن توقيت التغيير، والرسالة الملكية المرافقة له، وطبيعة المرحلة الإقليمية، تجعل من الصعب اختزال القرار في كونه تغييراً إدارياً عابراً.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions