اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مجد حسونة يكتب: لا نواجه مشروع التهجير بإسقاط الجنسية

مجد حسونة يكتب: لا نواجه مشروع التهجير بإسقاط الجنسية
نبأ الأردن -
طرح الباشا موسى العدوان فكرة إسقاط الجنسية الأردنية عن القادة الفلسطينيين في السلطة، وعن نحو 800 ألف فلسطيني من حاملي الجنسية الأردنية في الضفة الغربية، باعتبار ذلك وسيلة للحفاظ على الجنسيتين ومنع التهجير.

وبقدر ما أتفق مع خطورة القضية التي ينطلق منها هذا الطرح، فإنني أختلف معه في النتيجة التي وصل إليها.

فالتهجير اليوم ليس احتمالاً يمكن التعامل معه بخفة، والوطن البديل بالنسبة للأردن ليس مجرد شعار سياسي نستحضره عند الأزمات، بل تهديد يمس هوية الدولة وأمنها الوطني ومستقبل القضية الفلسطينية في الوقت ذاته.

لكن السؤال الذي يجب أن يسبق أي اقتراح من هذا النوع هو: هل الجنسية الأردنية هي التي تجعل التهجير ممكناً، أم أن مشروع التهجير قائم بصرف النظر عن الجنسية التي يحملها الفلسطيني؟

برأيي، هنا تكمن المشكلة في الطرح.

إسرائيل عندما تدفع الفلسطيني خارج أرضه لا تسأله عن لون جواز سفره، ومشروع التهجير لا يقوم على وجود جنسية أردنية لدى جزء من الفلسطينيين، وإنما يقوم على هدف سياسي وديمغرافي واضح: تقليل الوجود الفلسطيني على الأرض وزيادة الضغط باتجاه دول الجوار.

وبالتالي فإن إسقاط الجنسية لا يضرب مشروع التهجير في مركزه، وإنما يعالج نتيجة محتملة ويترك أصل المشكلة قائماً.

بل إنني أخشى أن نمنح مشروع التهجير، من حيث لا نقصد، مدخلاً آخر عندما نعيد نحن أنفسنا فتح سؤال الهوية والجنسية في هذه المرحلة.

فالأردن اليوم أحوج ما يكون إلى تعريف واضح لا يحتمل الاجتهاد: الأردني هو الأردني وفق القانون، بصرف النظر عن أصله ومنبته، وفلسطين للفلسطينيين، ولا يجوز أن تتحول العلاقة بين هاتين الحقيقتين إلى معادلة صفرية، وكأن إثبات الحق الفلسطيني يحتاج إلى الانتقاص من المواطنة الأردنية، أو أن حماية الهوية الأردنية تتطلب التشكيك في أردنية مواطنين يحملون جنسيتها.

الأخطر من ذلك أن فكرة إسقاط الجنسية الجماعي قد تنقل النقاش من سؤال: كيف نمنع إسرائيل من تهجير الفلسطينيين؟ إلى سؤال آخر: من يبقى أردنياً ومن لا يبقى؟

وهذا بالضبط هو النقاش الذي لا يحتاجه الأردن في هذه المرحلة.

فالتهديد خارجي، ومن الخطأ أن تكون معالجته بإنتاج أزمة هوية داخلية.

أما البدائل، فهي كثيرة، وأقوى بكثير من الدخول في ملف الجنسية.

لدينا موقف أردني معلن يعتبر التهجير خطاً أحمر، والمطلوب البناء على هذا الموقف وتحويله إلى معادلة سياسية واضحة أمام إسرائيل وحلفائها: أن أي محاولة لدفع الفلسطينيين باتجاه الأردن ليست شأناً فلسطينياً داخلياً، ولا أزمة لاجئين جديدة، وإنما مساس مباشر بالأمن الوطني الأردني وبمصالح الدولة العليا.

ولدينا أيضاً أهم وسيلة لمواجهة التهجير، وهي تثبيت الفلسطيني على أرضه.

فالمعركة الحقيقية ليست حول جنسية الفلسطيني وهو في رام الله أو نابلس أو الخليل، وإنما حول بقائه في رام الله ونابلس والخليل.

كل سياسة تساعده على البقاء في أرضه تخدم الأردن.

وكل ضغط سياسي أو اقتصادي أو دولي يرفع كلفة التهجير يخدم الأردن.

وكل موقف عربي ودولي يمنع تحويل التهجير إلى أمر واقع يخدم الأردن.

أما أن نبدأ نحن بتغيير الوضع القانوني لمئات الآلاف قبل أن يقع التهجير، فهذا يحتاج إلى سؤال سياسي شديد الأهمية: من المستفيد من ذلك فعلياً؟

هناك أيضاً فرق يجب ألا نسمح باختفائه بين أمرين: رفض الوطن البديل، والمواطنة الأردنية.

رفض الوطن البديل يعني أن الأردن ليس الأرض التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية، وأن الفلسطيني لا يجوز اقتلاعه من أرضه وتوطينه قسراً في الأردن، وأن حل القضية الفلسطينية يجب أن يكون على الأرض الفلسطينية.

أما المواطنة الأردنية فهي شأن أردني داخلي ينظمه الدستور والقانون، ولا ينبغي أن تتحول إلى أداة لمعالجة المشروع الإسرائيلي.

ولا أعتقد أن قوة الموقف الأردني تأتي من عدد الجنسيات التي نسحبها، بل من وضوح الدولة في حماية حدودها ومصالحها، وصلابة موقفها تجاه التهجير، وقوة جبهتها الداخلية.

والجبهة الداخلية تحديداً تستحق الانتباه.

نحن في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، والخطاب الذي يعيد الأردنيين إلى أصولهم ومنابتهم، حتى عندما تكون النوايا وطنية، قد ينتج آثاراً تتجاوز نية صاحبه.

لدينا دولة وهوية وطنية وقانون مواطنة.

ومن يحمل الرقم الوطني الأردني هو أردني له حقوق وعليه واجبات، ولا أرى مصلحة وطنية في أن نعود كلما اشتدت الأزمة الفلسطينية إلى فتح دفاتر الأصول والجذور.

لأن ذلك لا يردع إسرائيل، لكنه بالتأكيد يربك الداخل الأردني.

وأعتقد أن المعادلة الأكثر صلابة يمكن اختصارها ببساطة:

لا نسحب أردنية الأردني حتى نثبت فلسطينية الفلسطيني.

الفلسطيني فلسطيني لأن له أرضاً وحقوقاً وقضية وحقاً في تقرير مصيره، وليس لأنه لا يحمل جنسية أخرى.

والأردني أردني بحكم المواطنة والقانون، وليس مطلوباً منه إثبات أردنيته كلما تغير المشهد السياسي في فلسطين.

أما إسرائيل، فهي الطرف الذي يجب أن يوضع تحت الضغط، لا المجتمع الأردني.

لذلك أختلف مع الباشا موسى العدوان في الوسيلة، رغم اتفاقي معه على خطورة الهدف الذي يريد مواجهته.

نعم، الوطن البديل خط أحمر.

ونعم، تهجير الفلسطينيين باتجاه الأردن تهديد مباشر للدولة الأردنية.

ولكن الرد على ذلك لا يكون بإسقاط الجنسية عن مئات الآلاف، بل بتثبيت معادلة أكثر قوة:

الأردن للأردنيين، وفلسطين للفلسطينيين، ومن يريد تغيير هذه المعادلة هو من يجب أن يتحمل كلفة المواجهة، لا المواطن الأردني ولا الفلسطيني المتمسك بأرضه.

فمواجهة الوطن البديل لا تبدأ بتقليل عدد الأردنيين، وإنما بمنع إسرائيل من تقليل عدد الفلسطينيين في فلسطين
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions