اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. ماجد الخواجا يكتب: عودة من جديد لمعضلة التشغيل

د. ماجد الخواجا يكتب: عودة من جديد لمعضلة التشغيل
نبأ الأردن -
كم كنت أتمنى على الحكومة التوقف مليا ومراجعة كافة المبادرات التي سميت بالوطنية للتشغيل أو التشغيل من خلال التدريب أو التدريب المرتبط بالتشغيل، فهناك الكثير الكثير مما ينبغي محاسبة القائمين عليه أو التقييم لما تم من تلك المبادرات.
إن الأردن وطوال عقدين من الزمان شهد مبادرات كثيرة كانت في ظاهرها وعناوينها ورؤاها واعدة وتستحق الدعم والتشجيع، لكن على أرض الواقع لم يتم أية عمليات تقييمية لأيا منها.
لقد استهلكت مصطلحات من قبيل المبادرات والبرامج والنهضة والتشغيل والتدريب ودمج الشباب في سوق العمل وغيرها من المفاهيم التي لم تحقق أية غاية وطنية حتى تاريخه، وهذا يعود إلى جملة عوامل وأسباب وفي مقدمتها القصور الذاتي الذي تحمله المبادرة بداخلها.
منذ أن تم استحداث ما تدعى بالمؤشرات الوطنية التي أصبحت غاية بحد ذاتها، فقد صارت الأرقام والنسب والاحصائيات ليست الأدوات بل الغايات، وأصبحنا نغرق في دوامات من العروض التقديمية الزاهية المكتظة بالأرقام والنسب التي تؤكد تحقيق البرنامج أو المبادرة لأهدافها المزمنة.
إن تجربة إشراك أو إحراج أو فتح شهية القطاع الخاص بأن يكون الطرف المشغل على أن تقوم الحكومة بمنح كل طالب تشغيل مبلغا من المال تحت مسمى حافز أو مكافأة أو جزء من الراتب، هي تجربة مستهلكة وأثبتت كثيرا من النقص والعوار فيها، وهناك أقوال بأنه تم استنزاف مبالغ بالملايين أهدرت تحت هذا المسمى وكانت انتاجيتها مقاربة إلى الصفر، لا بل هناك أقوال بأنه تم تشويه نبل الفكرة من خلال عمليات التفافية جرت بحقها بحيث كانت توزع الأموال على أطراف تشغيلية وهمية أو مزعومة، والتي تقوم بتسجيل طالبي التشغيل في الضمان الاجتماعي لمدة ست أشهر وهو الشرط المطلوب لتلقي المنحة بذريعة التشغيل، أما حكايات التدريب، فهذه قصة مبكية حد الفجيعة، فهناك جهات تم تنفيعها على أنها جهات مزودة للتدريب، وهي في حقيقتها لا تمتلك من مسمى التدريب أكثر من شقة مكتبية أو محل في بيت الدرج أو على سطح بناية، وتمت إحالة عديد من المشاريع التدريبية عليها دون تقييم أثر التدريب على التشغيل، وأغلقت الملفات ولم تجر أية محاسبة أو مساءلة لأية جهة كانت.
إن برنامج خدمة وطن وغيره من البرامج والمشاريع التدريبية المرتبطة بالتشغيل قد ثبت فشلها وعدم تحقيق أيا من غاياتها، وتم طي ملفاتها دون الاستفادة من المراجعة لها على الأقل.
هناك ثمة فجوة واضحة في مثل هذه المبادرات التشغيلية التي بالتأكيد أن النوايا فيها طيبة وصادقة، لكنها عند التنفيذ يتم التحايل عليها والاستقواء عبر الضغوط والاعتبارات الجهوية والتنفيعية وذات المصالح المشتركة والمتضاربة بين القطاع العام والقطاع الخاص، فتبدأ المبادرة بالضعف والانحدار إلى أن تصل للموت السريري دون الإعلان عن وفاتها ودفنها بشكل يليق ببداياتها.
لقد أنفقت مئات الملايين على حكايات التدريب والتشغيل، ولو أنها أنفقت على خلق فرص عمل فعلية أو دعم النمو الاقتصادي وتعزيزه بهدف توفير عجلة وحركة تجارية وصناعية قوية قادرة على إنتاج فرص التشغيل الحقيقية، ربما حينها تكون الحكومة قد وجهت بوصلتها الاتجاه الصحيح بدلا من تحويل مبادراتها إلى مجرد امتداد لأفكار المعونة الوطنية والتنمية الاجتماعية ليس إلا.
هناك كثير من الخدع التي أصبحت مسلمات أو بدهيات يتم تناولها كلما حان موعد مبادرة ومن ذلك مصطلح التدريب المرتبط بالتشغيل، والمهارات الناعمة Soft Skills ، التدريب لأجل التوظيف، والأخطر تلك الإدانة لخريجي الجامعات بأنهم بحاجة للتدريب من أجل الحصول على حرفة هي بالأساس موجهة إلى من هم في مستوى المرحلة الأساسية.
أتمنى فعلا أن تحقق هذه المبادرات شيئاً من غاياتها وأن تستطيع توفير شيئاً من فرص العمل لبعض الشباب العاطلين عن العمل والأمل. وأتمنى أن لا نظل ندور خلف مسميات مبادرات التخجيل الوطنية, وأن نعلي من شأن مبادرات التشغيل الوطنية التي تكون أولوياتها التشغيل فعلاً وليس مجرد الإلتفاف من أجل الحصول على مكتسبات مالية وامتيازات وتخصيصات، والحصول على وجبة تريندات إعلامية مع ألقاب وطنية، فيما يكون الناتج المتأتي من هذه المبادرات صفر حافظ منزلته. لتزداد الفجوة والمعضلة دون إمكانية إيجاد حلول ملموسة لأفواج الخريجين الذين أصبح الواحد منهم يحمل مع شهادة تخرّجه، شهادة البحث عن فرصة العمل كعامل طلبات، أو ينتظر لإستكمال معاملة سحت على أبواب ما تدعى شركات التمويل من أجل أن يعمل سائق. ليبدأ مشواره كمدين ومقترض يكابد الحياة في سبيل العدم والخواء. وفي أحسن الأحوال أن ينتظر على رصيف الخدمة العامة متشبثاً بحلم التوظيف الذي أصبحت دونه الرقاب ودروب من العذاب.
المطلوب بشكلٍ محدد وسريع وصارم: التوقّف عن كافة التجارب التي تمارس بحق الشباب سواء في مسارات التعليم ومحتواه، وعن المبادرات الشعاراتية الصورية فارغة المضمون والفعالية. وأن تنصّب الجهود إلى دعم حقيقي وسخّي للقطاعات التنموية والصناعية التي تعمل على إيجاد فرص العمل الناجعة والهاضمة لأعداد كبيرة من العاطلين عن الأمل والعمل.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions