اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ميسر السردية تكتب: أغرش يوم ويعدّي

ميسر السردية تكتب: أغرش يوم ويعدّي
نبأ الأردن -
في سنوات فائتة، كانت وزارة الزراعة تُجري تعدادا دوريا للثروة الحيوانية، ومن ثم يُمنح المواطن دفتر بيانات بعدد مواشيه وحصصها المستحقة من الأعلاف المدعومة. ولأن المخصصات لم تكن تسد الحاجة، وخاصة في الشتاء، رحنا نحتال للالتفاف على الأمر الواقع؛ فحين جاء دور تعداد شويهاتنا، استعرنا شياه جيراننا، فصرنا بذلك نمتلك شبه قطيع سقناه للعرض أمام اللجنة المعنية، فحصلنا على دفتر وحصة أعلاف تحت بند "الرمد ولا العمى".

ولأنه، ومهما حاولنا ابتكار الألاعيب، إلا أننا لم نستطع "اللعب مع الكبار"، ولأن اللجنة "إذا غرشت تغرش بكيفها"، ولأن آذانها مشنفة، لا تفوتها شاردة ولا واردة، فطنت لحيلتنا تلك، فراحت تثقب وتُثبت في أذن كل نعجة معدودة فتخة بلاستيكية لا يمكن إزالتها إلا بصلم الأذن أو قطشها مثلا.

المواشي ليست كالناس، لم تخصص لها حكومات العالم دوائر "أحوال ونفوس نعجية"، ولا تترتب غرامات مالية وعقوبات قانونية إذا لم يستخرج لها راعيها وثائق رسمية كلما وُلد خروف، أو نفقت نعجة، أو تزوج كبش. ولأنها زينة ومتاع يُباع ويُشترى، يكون التعداد الموسمي ضرورة لا بد منها، لتطوير وتجديد قاعدة البيانات غير المستقرة.

بني آدم شكاك بطبعه، متوجس بغريزته؛ "اللي تقرصه الحية يخاف من جرة الحبل"، والتجربة والدة الموقف. وسيرة الأرقام والعد والعدادات، وكل من يرن الجرس حاملًا ورقة وقلمًا، لا تطمئن من تقطعت به أمتار الثقة. وكل نبرة صوت تشي بوعيد من لا حول له ولا طول، ليقف كـ"الألف" بين يدي من سيدخل عليه الباب. ساعة إلا، وإلا... كافية لقراءة عنوان المكتوب، ولزقزقة الإشاعة، وفهم "الطبخة" بالمقلوب.

سمعت مرة شكوى أهالي منطقة صُنفت فوق خط الفقر، مما سبب حرمانها من امتيازات مناطق جيوب الفقر المحيطة بهم. حدث ذلك بناءً على نتائج دراسات وزارة التخطيط في حينها، التي اعتمدت إجابات مغلوطة حول أوضاع السكان الحقيقية. مثلًا، تحولت الحاكورة إلى كرم زيتون، وسائق التريلا قُيّد مالكا لها، والسيارة «الفلت» وكالة طخ، إلخ. وهكذا، حسبما قالوا: كانت الإجابات تلقائية، نُطق بشيء، وقُيّد بشيء، وترتب عليه أشياء أخرى.

والناس - من حقها - تطرح أسئلة: ألا توجد لديكم بياناتنا، مواليدنا، وأمواتنا، وعقود زواجنا وطلاقنا، وفقرائنا، وأغنيائنا، وأصحائنا، ومرضانا، عقاراتنا ومعاشاتنا، حركاتنا وسكناتنا؟

والناس لا تصدق أن الدولة لا تعرف عدد أرغفة الخبز وأقراص الفلافل التي يأكلونها، ولا عدد المنتظرين في طابور لحوم الأضاحي، ولا عدد الشهادات التي صارت من ذكريات الجدران وهي تنتظر أملا صار أطول من الصبر.

والناس غير المطمئنة تخشى أن يكون وراء كل قرار مصيبة وضريبة وارتفاع وهبوط وحساب،، ولا تتوقع أية دفشة صغيرة تتقي بها وجه بشاعة وجه الفقر .

ولأنني أكتب كـ"مخبرة" تُدبج تقريرا عما سمع ورأى ، لا تحريضا والعياذ بالله، أحث الفقراء على أن يشرّعوا أبوابهم للعدادين، دون تردد من خشية وجود أي اتهام بالغنى، عدا غنى النفس. كذلك سأشرّع الباب مهللةً مسهلة.. ولن نبدل الحنفيات "البايزات" إلا بعد العد بيومين.

الآن تذكرت تلك النعاج التي رقّموا آذانها بقطعة التعداد؛ لا شك أنها تألمت. فبسبب ذبيحة رأيتها ركضت من حلاوة الروح، دخلت ضمن زمرة النباتيين، وتجنبت قتل الجنادب. فكل ما خلق الله يحس ويشعر ويسبّح ويستغفر، قال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾، ومنه قد تكون له صلاة، كصلاة الجمال التي ذكرها المؤرخ اللبناني د. عمر فرّوخ في كتابه "غبار السنين".

وتقول الحكاية:

اجتمعت الجمال يوما، وتدارست أمرها فيما بينها، ثم بثت شكواها مما يحيق بها من الظلم وما ينزل بها من عسف، حتى خرج احتمال حالها عن طوقها. ثم رأت أن تدعو الله وتشكو إليه وتتضرع في مآلها، لعل الله يجعل بعد عسر يسرا.

ولما مثُل وفد الجمال ليرفع الشكوى لرب العزة، أنابوا كبيرهم، فضرع قائلا:

اللهم إنا نبتهل إليك وندعوك، وقد قلت: ادعوني أستجب لكم.

اللهم إنهم رأونا قادرين على حمل الأحمال فأثقلوا ظهورنا، ولكننا صبرنا، غير أننا احتملنا، ورأونا حلماء غير سفهاء، ودُعاء غير جفاة، فسلّطوا علينا سفهاءهم وغلاظ الرقاب منهم، ومع ذلك استسلمنا واعتصمنا.

اللهم إنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل تعدّوه؛ لقد قالوا إن منشأنا الصحراء القاسية ، فتركونا على مهاد قاسٍ ، وأعطونا طعاما خشنا. ثم إنهم رأونا ذوات نفوس طيبة، نصبر على الجفاء، فأهانونا في نفوسنا، ووصمونا بالمعاييب والنقائص.

وكانت أمورنا من مطعم ومشرب ومبيت ومسرح بأيديهم، فسَامونا سوء العذاب، ولمزونا بالألقاب. وكانوا إذا أرادوا أن يتفكهوا جعلونا أحاديث، وافتروا علينا الأكاذيب. إنهم كلما رأونا في نعمة منك حسدونا وكادوا لنا.

اللهم قد ابتُلينا بكل هذا فصبرنا، ولكن هنالك أمرا واحدا لا نصبر عليه ولا نطيق صبرا.

إنهم إذا أرادوا أن يحملوا علينا أثقالهم، جمعونا قطارا يبلغ خمسين أو ستين، ثم ربطونا إلى حمار.

اللهم إننا نشكو إليك إلا ذلك.

لماذا أردت أن يكون السائر أمامنا حمارا؟

ولا أصدق أن الجمل حقود، فعندما مات جد والدي مات ذلوله على قبره بعد ثلاثة أيام فقط.

يا لطيف، أإلى أخذني تداعي الحكي.. ياما كسر الجمل بطيخ.

وهأنذا ماكثة ملتزمة بانتظار الإحصاء.

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions