اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

شيرين قسوس تكتب: السلطة الرابعة بين سيف القانون وخوف الفساد

شيرين قسوس تكتب: السلطة الرابعة بين سيف القانون وخوف الفساد
نبأ الأردن -
ليست الصحافة زينةً على هامش الدولة، وليست موظف علاقات عامة مهمته أن يلمّع صورة المسؤول ويعيد تدوير البيانات الرسمية. الصحافة، حين تكون حرة ومسؤولة، هي الجرس الذي يقرع عندما يصمت الجميع، والعين التي ترى ما قد لا تصل إليه المكاتب، والصوت الذي يصل إلى المواطن حين تضيق أمامه أبواب الشكوى. ولهذا لم تأتِ تسمية "السلطة الرابعة" من فراغ؛ فالصحافة ليست مجرد ناقل للخبر، وإنما قوة رقابية تضع أداء السلطة أمام الرأي العام، وتكشف مواطن الخلل، وتمنح المجتمع فرصة لرؤية ما يجري داخل مؤسساته.

الدول التي تحترم مؤسساتها لا تخاف من الصحافة، بل تدرك أن النقد أحد شروط تصحيح المسار. فغياب التقارير عن الفساد لا يعني اختفاء الفساد، وصمت الموظفين لا يعني أن المؤسسات تعمل بكفاءة، وغياب الشكاوى لا يعني أن الناس راضون. أحياناً يكون الصمت هو المؤشر الأخطر، لأنه قد يعني أن الناس فقدوا الثقة بجدوى الكلام، أو أصبحوا يخشون ثمنه.

وقد عرفت دول غربية كثيرة ما يسمى بالصحافة الصفراء، وهي صحافة تقوم في بعض نماذجها على الإثارة والمبالغة واستغلال الفضائح لجذب الجمهور. لكن وجود هذا النوع من الإعلام لم يكن مبرراً لإلغاء الصحافة المهنية أو إغلاق باب التحقيقات الاستقصائية. فالخطأ يعالج بمحاسبة من ارتكبه، لا بإعدام المهنة كلها. وإذا تجاوز صحفي القانون أو تعمد التشهير والافتراء ونشر الأكاذيب، فليحاسب على فعله، لكن لا يجوز أن تتحول إساءة بعض المنابر إلى ذريعة لخنق الصحافة الجادة التي تؤدي وظيفة عامة.

تخيلوا صحيفة تلتقط خيطاً في ملف فساد، فتجمع الوثائق، وتتحقق من المعلومات، وتستمع إلى الأطراف، ثم تنشر تحقيقها أمام الرأي العام. بعدها تتحرك الجهات المختصة، يبدأ التحقيق، وتخضع الوقائع للمساءلة، وقد تنتهي القضية بإدانة المتسببين أو تبرئة من اتهموا. هنا تكون الصحافة قد أدت دورها الحقيقي؛ لم تصدر حكماً قضائياً ولم تنتحل صلاحيات المؤسسات، وإنما كشفت ما يستحق التحقيق ووضعت الملف أمام الجهات المختصة والمجتمع. هذه هي السلطة الرابعة عندما تكون في خدمة الصالح العام.

لكن الرقابة ليست وظيفة الصحفي وحده. كل مواطن شريك في حماية وطنه، وكل من يكتشف هدراً أو فساداً أو خللاً في مؤسسة عامة تقع عليه مسؤولية أخلاقية ووطنية في عدم تجاهله. وتصبح هذه المسؤولية أكثر أهمية عندما يكون المواطن موظفاً في القطاع الحكومي، لأنه يعيش تفاصيل العمل من الداخل ويرى ما لا يظهر في التقارير المكتبية. الموظف الموجود في الميدان يستطيع أن يقيّم أثر القرار على أرض الواقع بصورة أدق من مسؤول تصله المعلومات مصفاة عبر عدة مستويات إدارية، لأن الميدان يكشف الفارق بين القرار المكتوب والنتيجة الفعلية.

وهنا تظهر مشكلة جوهرية في صناعة القرار: أن بعض القرارات تبدأ من المكتب وتنتهي في الميدان دون أن يمر أصحاب القرار بالميدان نفسه. تصل المعلومات عبر تقارير قد لا تنقل الصورة كاملة، ثم يصدر القرار، ويُطلب من الموظفين والمواطنين التعامل مع نتائجه، وبعد ذلك تبدأ عملية معالجة الآثار بدلاً من معالجة أسباب القرار من البداية. الإدارة الرشيدة لا يمكن أن تقوم على المسافة بين صاحب القرار ومن سيتحمل نتائج قراره.

لذلك يجب أن يصبح استطلاع رأي الميدان جزءاً من عملية صناعة القرار، لا إجراءً شكلياً يأتي بعد فوات الأوان. القرارات التي تمس حياة الناس أو عمل المؤسسات يجب أن تسبقها دراسات ميدانية واستفتاءات دورية وقياس للأثر، والاستماع إلى الموظفين والمختصين والمواطنين الذين سيتأثرون بها. فالمسؤول الذي يريد قراراً ناجحاً لا يبحث فقط عمن يؤيده، وإنما يبحث عمن يستطيع أن يكشف له أين يمكن أن يفشل القرار قبل أن يصدر. الميدان ليس هامشاً في الدولة؛ الميدان هو المكان الذي تظهر فيه حقيقة القرار.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاعتراض المهني مخاطرة شخصية. عندما يشعر الموظف أن إبداء رأيه أو تنبيه مسؤوله إلى خلل قد ينتهي بنقله إلى مكان بعيد عن منزله أو بيئته أو اختصاصه، فإن المؤسسة لا تحصل على الطاعة الحقيقية، بل تحصل على الصمت. وعندما يصبح الإجراء الإداري وسيلة للانتقام من صاحب الرأي، فإننا أمام صورة خطيرة من صور البلطجة الإدارية التي تتخذ من الصلاحية القانونية غطاءً لها. فالإجراء قد يكون مشروعاً في الأصل، لكن استخدامه للضغط على الموظف أو تصفية الحسابات معه يحوله إلى أداة تخويف تقتل الشجاعة المهنية.

وهنا لا تكون الخسارة فردية. الموظف الذي يخاف من الكلام لن ينقل الحقيقة كاملة، والمدير الذي لا يريد سماع الاعتراض سيحصل على معلومات أكثر راحة وأقل دقة، والمسؤول الذي يعتمد على تلك المعلومات سيصنع قراراته على صورة ناقصة. وهكذا تتشوه المعلومة في طريقها إلى الأعلى، ثم يعود القرار مشوهاً إلى الأسفل، ويدفع المواطن والمؤسسة والوطن ثمن هذه الفجوة.

وفي هذه النقطة تحديداً يصبح الحديث عن قانون الجرائم الإلكترونية جزءاً من الحديث عن البيئة التي تمارس فيها السلطة الرابعة والمواطن والموظف دورهم الرقابي. لا أحد يدعو إلى فضاء إلكتروني بلا قانون، ولا أحد يطالب بحماية الابتزاز أو التشهير المتعمد أو نشر الأكاذيب أو الاعتداء على خصوصيات الناس. هذه أفعال يجب أن تخضع للمساءلة. لكن الخط الفاصل يجب أن يبقى واضحاً بين الجريمة وبين النقد، وبين التشهير المتعمد وبين التحقيق الصحفي، وبين نشر الأكاذيب وبين كشف وقائع عامة تستحق التدقيق والتحقيق.

فالصحفي الذي يحقق في قضية فساد لا ينبغي أن يعيش وهو يتساءل إن كان نشر الوقائع التي توصل إليها مهنياً سيضعه تحت طائلة قانون صُمم أصلاً لمواجهة الجرائم الإلكترونية. والمواطن الذي يكشف خللاً عاماً أو ينتقد قراراً يمس حياته لا ينبغي أن يشعر أن التعبير عن رأيه قد يحوله إلى متهم لمجرد أن انتقاده نُشر عبر منصة إلكترونية. وكذلك الموظف الذي يملك معلومات من داخل مؤسسة عامة ويكشف خللاً حقيقياً يجب أن تكون لديه حماية واضحة عندما يتصرف بحسن نية وضمن الأطر القانونية، لأن إسكات مصدر المعلومة لا يعالج المشكلة، بل يدفنها.

الدولة التي تريد مكافحة الفساد لا يمكن أن تجعل كشف الفساد مصدراً للخوف، والدولة التي تريد إدارة ناجحة لا يمكن أن تعتبر الاعتراض المهني تمرداً، والدولة التي تريد إعلاماً وطنياً قوياً لا يمكن أن تدفع الصحفي إلى التراجع عن التحقيق في الملفات العامة خشية أن يتحول عمله المهني إلى قضية. إن حماية المجتمع من الجرائم الإلكترونية هدف مشروع، لكن حماية المجتمع من الفساد وسوء الإدارة تتطلب في الوقت نفسه مساحة آمنة للنقد والكشف والمساءلة.

والأخطر أن تضييق مساحة النقد في الداخل لا يلغي الحاجة إليه، وإنما يدفعها إلى مكان آخر. ولهذا بات بعض المواطنين يتابعون حسابات ومنصات خارجية، حتى تلك التي قد تكون مشبوهة أو مجهولة الأجندة، ويمنحونها الاهتمام والتصفيق لمجرد أنها تقول بصوت مرتفع ما يخشى البعض قوله في الداخل. ليست القضية دائماً أن المواطن مقتنع بكل ما تنشره تلك المنصات؛ القضية أنه وجد فيها نافذة للتعبير، أو مساحة يتنفس منها، أو منبراً يعتقد أنه يستطيع من خلاله إيصال غضبه.

وهذه مشكلة سياسية وإعلامية في آن واحد. عندما يصبح الحساب الخارجي، أياً كانت دوافعه، أكثر قدرة على جذب المواطن من المنبر الوطني، فهذا يعني أن هناك فراغاً في الداخل يجب التعامل معه بجدية. فالفراغ الإعلامي لا يبقى فارغاً؛ إذا لم تملأه صحافة وطنية مهنية قادرة على التحقيق والنقد، فستملؤه منصات قد لا تكون مسؤولة عن مصلحة الوطن أصلاً. وحينها لا ينبغي أن نستغرب من تصاعد تأثير أصوات تأتي من خارج الحدود.

إن الدفاع عن السلطة الرابعة ليس دفاعاً عن الصحفي وحده، بل دفاع عن الدولة والمجتمع معاً. والمطلوب ليس صحافة فوق القانون، وإنما صحافة تستطيع أداء واجبها المهني داخل إطار قانوني واضح وعادل لا يخلط بين الجريمة وبين النقد المشروع. والمطلوب ليس مواطناً يقول أي شيء دون مسؤولية، وإنما مواطن يستطيع أن ينتقد دون خوف من الانتقام. والمطلوب ليس موظفاً يرفض سلطة مؤسسته، وإنما موظف يستطيع أن يقول لمسؤوله إن القرار خاطئ، وأن يقدم أسبابه وملاحظاته من واقع الميدان، دون أن يتحول رأيه إلى سبب لمعاقبته.

الولاء للوطن لا يعني الولاء لكل قرار يصدر باسم الوطن. المسؤول ليس الوطن، والحكومة ليست الوطن، والوزارة ليست الوطن، والقرار الإداري ليس مقدساً. الوطن أكبر من الأشخاص والمناصب والقرارات المؤقتة، ومن حق المواطن أن ينتقد أداء مؤسسات بلده دون أن يُعامل وكأنه ينتقد بلده نفسه. بل إن المواطن الذي ينتقد خللاً لأنه يريد إصلاحه قد يكون أكثر حرصاً على وطنه من ذلك الذي يرى الخطأ ويختار الصمت خوفاً أو مصلحة.

لهذا يجب أن تكون هناك مراجعة جادة للعلاقة بين السلطة الرابعة والتشريعات الناظمة للفضاء الإلكتروني، بما يضمن حماية المجتمع من الجرائم الإلكترونية الحقيقية، وفي الوقت ذاته يحمي الصحافة المهنية والنقد العام وكشف الفساد من أن تصبح ضحية للتوسع في التجريم أو الاستخدام الانتقائي للنصوص. يجب أن يكون القانون واضحاً في حماية الحقوق والحريات، وأن تبقى مهمة الصحفي في التحقيق والنشر منفصلة عن مهمة النيابة في التحقيق ومهمة القضاء في إصدار الأحكام.

إن الأردن لا يحتاج إلى مواطن صامت، بل إلى مواطن يقظ، ولا يحتاج إلى موظف يوافق على كل قرار، بل إلى موظف يقول الحقيقة عندما يرى أن القرار يحتاج إلى تعديل، ولا يحتاج إلى إعلام يكرر البيانات الرسمية، بل إلى سلطة رابعة تدقق وتحقق وتسأل وتكشف وتضع الوقائع أمام الرأي العام. فالحقيقة قد تكون مزعجة للحظة، لكن إخفاءها قد يكون مدمراً لسنوات.

والسلطة الرابعة ليست ترفاً ولا امتيازاً لفئة من الصحفيين؛ إنها جهاز إنذار وطني. ومن يطفئ جهاز الإنذار لأن صوته مزعج لا يمنع الحريق، بل يمنع الناس من سماعه. وإذا كان المطلوب دولة قوية ومستقرة، فإن الطريق إلى ذلك لا يكون بإسكات الأصوات، وإنما بخلق مؤسسات تستطيع أن تستوعب النقد وتتعامل معه وتصحح أخطاءها.

افصلوا السلطة الرابعة عن سيف الجرائم الإلكترونية، واحموا الصحفي حين يؤدي واجبه المهني، واحموا الموظف حين يقول الحقيقة، واحموا المواطن حين يكشف خللاً أو يعترض على قرار. اجعلوا النقد طريقاً للإصلاح لا سبباً للعقاب، واجعلوا المعلومة القادمة من الميدان أساساً لصناعة القرار لا تهديداً لصاحبها.

فالدولة القوية ليست تلك التي لا يسمح لأحد بانتقادها، بل تلك التي تسمع النقد ولا تنهار، وتكشف الخطأ ولا تخشاه، وتحاسب الفاسد ولا تحاسب من كشف فساده. الوطن لا يحتاج إلى إعلام يصفق له حتى ينام، بل إلى إعلام يوقظه عندما يخطئ، ولا يحتاج إلى موظفين يخافون من رؤسائهم، بل إلى موظفين يخافون على مؤسساتهم من الخطأ، ولا يحتاج إلى مواطن يبتلع غضبه حتى ينفجر، بل إلى مواطن يستطيع أن يقول الحقيقة وهو مطمئن إلى أن الدولة التي يحبها لن تنتقم منه لأنه حاول حمايتها.

فالصحافة الحرة ليست خطراً على الوطن، والنقد ليس خيانة، والاعتراض المهني ليس تمرداً، وكشف الخلل ليس إساءة إلى الدولة. الخطر الحقيقي هو أن يصبح الوطن بلا صوت يسأل، وبلا عين تراقب، وبلا موظف يجرؤ على قول الحقيقة، وبلا مواطن يستطيع أن يقول: هنا خطأ. وعندما يغلق باب النقد، ويُحاصر صوت الموظف، ويخشى الصحفي من أداء مهمته، ويشعر المواطن أن التعبير عن رأيه قد يتحول إلى عبء عليه، فإن الضغط لا يختفي، بل يتراكم تحت السطح. وكثرة الضغط تولد الفساد والانفجار على حد سواء؛ فالفساد ينمو في البيئات التي يغيب فيها السؤال والمساءلة، والانفجار الاجتماعي قد يأتي عندما تتراكم المظالم ولا تجد منفذاً سلمياً للتعبير والمعالجة. أما فتح أبواب النقد والمراجعة والمساءلة، فهو صمام الأمان الذي يمنح الدولة فرصة لإصلاح نفسها قبل أن تتحول الأخطاء إلى أزمات، وقبل أن يصبح ثمن الإصلاح أكبر من قدرة الجميع على تحمله.

الوطن الذي يريد الاستقرار الحقيقي لا يخاف من الأصوات التي تنبهه إلى الخلل، بل يخاف من اليوم الذي تصمت فيه الأصوات بينما يستمر الضغط في الارتفاع تحت السطح. ففي نهاية المطاف، الصحافة الحرة ليست خصماً للدولة؛ إنها إحدى وسائل حمايتها من أخطائها، والمواطن الرقابي ليس عدواً لمؤسسات بلده؛ بل شريك في حمايتها، والموظف الذي يملك شجاعة قول الحقيقة ليس عبئاً على الإدارة؛ بل فرصة لتصحيح القرار قبل أن يتحول إلى مشكلة. أما إسكات كل هؤلاء، فلن يصنع دولة أكثر قوة، وإنما دولة أقل معرفة بما يجري داخلها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions