اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

بين رسالتين.. الجيش الأردني ومرحلة جديدة من التحديث

بين رسالتين.. الجيش الأردني ومرحلة جديدة من التحديث
نبأ الأردن -
كتب العقيد المتقاعد محمد جميل الخطيب -

في قراءة القرارات العسكرية العليا، قد تكون الكلمات المفتاحية أهم من القرار نفسه، خصوصاً عندما تصدر عن القائد الأعلى للقوات المسلحة الاردنية وتحدد ما أُنجز في مرحلة، وما هو مطلوب في المرحلة التي تليها.

ومن هذه الزاوية، تستحق رسالتا جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الفريق الركن المتقاعد يوسف الحنيطي، وإلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجديد اللواء الركن مجدي الحراسيس، قراءة عسكرية وأمنية تتجاوز مسألة تغيير القيادة إلى السؤال الأهم: إلى أين تتجه القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي في المرحلة المقبلة؟

اللافت أن هناك عبارة تكاد تربط الرسالتين ببعضهما: إعادة الهيكلة والتحديث والتطوير.

في رسالة جلالة الملك إلى الفريق الحنيطي، جاء الحديث عن تنفيذ التوجيهات الملكية لـ«تحديث وتطوير قواتنا المسلحة وإعادة هيكلتها، لمواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية».

وفي رسالة التكليف إلى اللواء الحراسيس، جاء التوجيه بـ«متابعة جهود إعادة هيكلة قواتنا المسلحة وتطوير إمكانيات الجيش العربي وتحديث أدواته».

عسكرياً، نحن إذن أمام مشروع مستمر، وليس قراراً مرتبطاً بتغيير الأشخاص.

فالقيادة السابقة عملت على مرحلة من إعادة الهيكلة والتطوير، والقيادة الجديدة مكلفة صراحة بمتابعة هذا المسار والبناء عليه.

وهنا تكمن واحدة من أهم سمات المؤسسة العسكرية المحترفة: تتغير القيادة ولا تتغير البوصلة الاستراتيجية.

لكن ماذا تعني إعادة الهيكلة في جيش حديث؟

هي ليست بالضرورة زيادة عدد الوحدات أو الأفراد، بل قد تعني إعادة توزيع القدرات والموارد، ورفع سرعة الاستجابة، وتعزيز القيادة والسيطرة، وتطوير التدريب والتسليح، وتحقيق قدر أكبر من المرونة والجاهزية بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الجديدة.

فالجيش الذي يستعد لحروب المستقبل لا يمكن أن يُبنى فقط وفق تصورات حروب الأمس.

والأردن محاط اليوم ببيئة أمنية وعسكرية شديدة التعقيد، تغيرت فيها طبيعة التهديدات بصورة كبيرة. فإلى جانب المخاطر العسكرية التقليدية، أصبحت هناك الطائرات المسيّرة، والصواريخ، والحرب الإلكترونية، والتهديدات السيبرانية، ومحاولات الاختراق والتهريب عبر الحدود، والجريمة المنظمة العابرة للدول، إضافة إلى الأزمات الإقليمية التي قد تتغير مساراتها خلال ساعات.

لذلك تلفت الانتباه في رسالة التكليف عبارة أخرى شديدة الأهمية: «تحديث أدواته».

وهي عبارة يمكن قراءتها باعتبار أن عملية التطوير المقبلة لن تتوقف عند إعادة التنظيم، وإنما ستمتد إلى الأدوات والقدرات التي يحتاج إليها الجيش لمواجهة أنماط جديدة من التهديدات، بما يرفع كفاءة الاستطلاع والمراقبة والإنذار والقيادة والسيطرة وسرعة اتخاذ القرار والاستجابة الميدانية.

لكن القوة العسكرية لا تُقاس بالسلاح والتكنولوجيا وحدهما.

ولهذا جاءت في رسالة جلالة الملك إشارة واضحة إلى الاهتمام بنشامى ونشميات القوات المسلحة، وبناء قدراتهم، من الضباط وضباط الصف والأفراد، وضمان أعلى مستويات الأداء والاحترافية.

وهنا تكتمل المعادلة العسكرية: إعادة هيكلة + تحديث الأدوات + تطوير الإنسان العسكري + جاهزية عالية.

ومن المهم كذلك قراءة التوقيت.

فالمنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ عقود، وما يجري حول الأردن يؤكد أن بناء قوة الردع والجاهزية والاستعداد للسيناريوهات المختلفة لم يعد خياراً يمكن تأجيله، بل ضرورة لحماية الدولة وحدودها وأجوائها ومقدراتها.

لذلك فإن تعيين قيادة جديدة لهيئة الأركان لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد انتقال إداري في أعلى موقع عسكري، وإنما انتقال راية داخل مشروع عسكري مستمر.

الفريق الحنيطي يغادر بعدما أنجز مرحلة من هذا المشروع، واللواء الحراسيس يتسلم المسؤولية بتوجيه واضح لاستكماله وتطويره بما يتناسب مع المرحلة المقبلة.

وبين رسالة الشكر ورسالة التكليف، تبدو الرسالة العسكرية الأهم واضحة: الجيش العربي لا يبدأ من جديد مع كل قائد جديد، وإنما يبني كل قائد على ما أنجزه من سبقه، لأن الجيوش المحترفة تتغير فيها القيادات، لكن بناء القوة واستراتيجية حماية الوطن لا يتوقفان.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions