اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عبدالله بني عيسى يكتب : الوطن في زمن الوظيفة العابرة للحدود!

عبدالله بني عيسى يكتب : الوطن في زمن الوظيفة العابرة للحدود!
نبأ الأردن -
ثمة تغيير هادئ يجري في عالم العمل والوظائف، قد يبدو في ظاهره مجرد تحول تقني في طريقة أداء الوظائف، لكنه قد يكون أعمق من ذلك بكثير.
فالتكنولوجيا لم تغيّر الطريقة التي نعمل بها فقط، وإنما بدأت تفصل بين أشياء ظلت قروناً طويلة مرتبطة ببعضها: مكان السكن، ومكان العمل، ومصدر الدخل، والحقوق الاجتماعية، وربما علاقة الإنسان بالمكان الذي ينتمي إليه.
لم يعد مكان العمل بالضرورة مكتباً نذهب إليه كل صباح. أصبح ممكناً لمهندس في عمّان أن يعمل لشركة في سنغافورة، ولمبرمج في إربد أن يعمل لمؤسسة في لندن، ولمصمم في الكرك أن يقدم خدماته لشركة في دبي، من دون أن يغادر بيته.
ولم يعد هذا مجرد استثناء يخص العاملين في قطاع التكنولوجيا.
فالعمل عن بُعد، والعمل الهجين، والعمل بالمشاريع العابرة للحدود، والعمل عبر المنصات الرقمية، أصبحت كلها أنماطاً حقيقية في سوق العمل العالمي، إلى درجة أن دولاً ومنظمات دولية بدأت في تعديل قوانينها وأنظمتها لمواجهة أسئلة لم تكن مطروحة بهذه الصورة من قبل: أين يدفع العامل ضريبته؟ وأي نظام الضمان الاجتماعي الذي يحميه؟ وأي قانون عمل ينطبق عليه؟ ومن يتحمل مسؤوليته الصحية إذا كان يعيش في بلد ويعمل لصالح شركة في بلد آخر؟
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بدأت بالفعل في تحديث قواعدها الضريبية لمواكبة صعود العمل عن بُعد عبر الحدود، فيما تناقش دول عديدة صيغاً جديدة للإقامة والعمل والضمان الاجتماعي للعاملين الذين يحصلون على دخل من الخارج.
لكن المسألة تتجاوز القانون والضرائب. فالسؤال الأبعد هو:
ماذا يحدث لعلاقة الإنسان بالمكان عندما يصبح عمله مرتبطاً بمكان آخر؟
تخيلوا شاباً أردنياً يعمل من غرفة في منزله في عمّان لصالح شركة في أمريكا. راتبه يأتي من الخارج، واجتماعاته تعقد عبر الإنترنت، ومديره وزملاؤه موزعون بين قارات مختلفة.
قد يحصل على تأمين صحي من الشركة، وربما على مزايا اجتماعية ومهنية أخرى. وفي المقابل، يبقى هو في الأردن: يعيش هنا، ويستهلك هنا، وربما يتزوج ويبني أسرته هنا، ويشتري منزله هنا.
هو أردني تماماً كما كان بالأمس. لكن شيئاً في تركيب علاقته بالعمل والدولة والمكان قد تغير. الاغتراب من دون سفر، هذه المسألة تبدو أكثر أهمية في الأردن من كثير من المجتمعات الأخرى، لأننا نأتي إليها من خلفية مختلفة.
الشباب الأردني يعيش منذ سنوات مع مشكلة البطالة وندرة فرص العمل المناسبة، وهي مشكلة لا تتعلق بالدخل وحده.
ولهذا لم يكن غريباً أن يصبح الاغتراب أحد الخيارات التي يلجأ إليها الأردنيون بحثاً عن فرصة لم يجدوها في بلدهم. والتكنولوجيا تفتح الآن باباً مختلفاً؛ الاغتراب عن الوظيفة من دون الاغتراب عن المكان.
قد يبقى الشاب الأردني في بيته، قريباً من أسرته وأصدقائه، ويتزوج في بلده، ويشتري منزله، ويعيش حياته الاجتماعية هنا، لكنه يعمل اقتصادياً مع دولة أخرى.
وهذا، في رأيي، هو المستجد الذي يستحق الانتباه. قد يكون لدينا اليوم، وربما خلال سنوات قليلة، عشرات الآلاف من الأردنيين الذين يعملون من بيوتهم أو من مساحات العمل المشتركة في المدن والقرى الأردنية لصالح شركات أجنبية، ويتقاضون دخولهم من الخارج، ويقدمون خدماتهم إلى أسواق لا علاقة جغرافية مباشرة لها بمكان إقامتهم.
ولا أرى في ذلك مشكلة. بل على العكس. قد يكون هذا أحد أهم الأبواب التي فتحتها التكنولوجيا أمام الشباب الأردني. المشكلة فقط أن الدولة ينبغي ألا تقف متفرجة على ظاهرة بهذه الأهمية. إذ ينبغي أن تنظمها، لا أن تضيق عليها.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف طبقة جديدة إلى هذه التحولات.
فالذكاء الاصطناعي لا يهدد بعض الوظائف فحسب؛ إنه يعيد تشكيل الوظيفة نفسها.
منظمة العمل الدولية خلصت في أحدث تقييماتها إلى أن التأثير الأرجح للذكاء الاصطناعي التوليدي ليس اختفاء الوظائف بالكامل، وإنما تحول جزء كبير من مهامها. وهذا يعني أن الوظائف ستصبح أكثر قابلية لإعادة التصميم، وأن العامل الذي يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي قد يستطيع إنتاج ما كان يحتاج في السابق إلى عدد أكبر من العاملين.
وهنا تظهر علاقة الذكاء الاصطناعي بالعمل العابر للحدود. فكلما أصبحت الوظيفة أكثر اعتماداً على المعرفة والبرمجيات والمنصات الرقمية، أصبحت أقل ارتباطاً بالمكتب.
وكلما استطاع العامل أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لإنجاز أجزاء أكبر من عمله، أصبحت الشركة أكثر قدرة على توزيع المهام على أفراد يعيشون في أماكن مختلفة.
قد لا تحتاج الشركة مستقبلًا إلى نقل المهندس إلى سنغافورة. قد تحتاج فقط إلى مهندس جيد في عمّان. وقد لا تحتاج إلى فتح مكتب كبير في بلد آخر كي تحصل على فريق متخصص؛ ربما يكفيها نظام رقمي لإدارة فريق موزع على عشر دول.
وهنا يصبح الأردن أمام فرصة حقيقية. فبدل أن تكون البطالة سبباً جديداً لخروج الكفاءات، يمكن للتكنولوجيا أن تمنح الأردن فرصة لاستبقاء جزء من هذه الكفاءات داخله، حتى وهي تعمل للاقتصاد العالمي. بل إن الأردن يملك أصلاً قاعدة بشرية وتقنية يجري تسويقها رسمياً بوصفها قادرة على خدمة الشركات العالمية من خلال فرق العمل عن بُعد.
أعتقد أن على الدولة أن تبدأ في التفكير في سياسات تشجع هذا الاتجاه.
لماذا لا تقدم حوافز للشركات العالمية التي توظف أردنيين عن بُعد لكي تفتح فروعاً أو مكاتب أو مراكز خدمات في الأردن؟ لماذا لا يصبح الأردن مركزاً إقليمياً للشركات التي تريد الوصول إلى الكفاءات العربية؟ لماذا لا نستفيد من هذه الظاهرة في العقارات، والخدمات، والنقل، والمطاعم، والتعليم، والتدريب، والتأمين، والبنوك؟
ولماذا لا يكون هناك إطار واضح يضمن للعامل حقوقه، ويسهل عليه الاشتراك في الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، ويحدد الالتزامات الضريبية بصورة عادلة وواضحة؟
كل ذلك يجب أن يتم من دون تحويل التنظيم إلى تضييق. فإذا كان النظام معقداً إلى درجة تجعل الشاب يخفي عمله أو يبحث عن تسجيل نفسه في دولة أخرى، نكون قد خسرنا الاثنين: العامل والاقتصاد.
لكن ماذا عن الوطن؟ هنا نصل إلى السؤال الأصعب. إذ لا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يقول إن العمل عن بُعد سيؤدي إلى تراجع الهوية الوطنية. لا توجد أدلة كافية على ذلك، كما أن الهوية ليست راتباً أو عقد عمل يمكن قياسه.
لكن لا ينبغي أيضاً أن نستبعد احتمال أن تعيد التكنولوجيا، مع الزمن، تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان. في الماضي كان مكان العمل جزءاً من منظومة الانتماء. المدرسة هنا، والجامعة هنا، والوظيفة هنا، والزملاء هنا، والتأمين الصحي هنا، والضمان الاجتماعي هنا، والبيت هنا، والضرائب هنا. كانت الدولة حاضرة في معظم تفاصيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
أما الآن فقد يستطيع الإنسان فصل هذه العناصر بعضها عن بعض.
جواز سفره في بلد.
وبيته في بلد.
وشركته في بلد آخر.
وحسابه البنكي مرتبط بنظام مالي عابر للحدود.
وتأمينه الصحي قد توفره شركة دولية.
وزملاؤه في العمل موزعون على أربع قارات.
ومجتمعه المهني موجود على الإنترنت.
فما الذي سيعنيه «المكان» بالنسبة إليه بعد عشرين عاماً؟
لا أعرف. ولا أظن أن أحداً يعرف.  لكن من الصعب ألا نلاحظ أن العلاقة التقليدية بين الإنسان والدولة بدأت تصبح أكثر تعقيداً.
هل نحن أمام بداية تحول في مفهوم المواطنة والانتماء، بحيث لا يعود مكان الإقامة والعمل والحقوق الاجتماعية مرتبطة بالدولة نفسها كما كانت في الماضي؟
قد لا تختفي الهوية الوطنية. لكن ربما تتغير طريقة ممارستها. وعلى الدولة أن تستقطب شبابها لا أن تطاردهم. فالعالم يتغير، والأجيال الجديدة لن تعيش بالطريقة التي عشنا بها نحن. ليس لأنها أقل وطنية بالضرورة، ولا لأنها أقل ارتباطاً بأوطانها، وإنما لأن أدوات حياتها مختلفة.
الشاب الذي يستطيع أن يعمل من عمّان لشركة في ميونخ، وأن يتلقى راتبه من الخارج، وأن يتعامل مع زملاء في سنغافورة وأمريكا والهند، لن ينظر إلى العالم بالطريقة التي كان ينظر بها أبوه إليه.
وليس المطلوب أن نمنعه من ذلك. بل المطلوب أن نجعل الأردن جزءاً من هذه الحياة الجديدة.
فإذا كان الشاب لا يجد في بلده وظيفة، ولا يستطيع بناء أسرة، ولا يرى طريقاً واضحاً أمامه، ثم يجد عبر هاتفه شركة في الطرف الآخر من العالم تمنحه دخلا وحياة مهنية وفرصة للتطور، فعلينا أن نسأل أنفسنا:
هل المشكلة في الشاب الذي اتجه إلى العالم، أم في العالم المحلي الذي لم يستطع أن يفتح له بابه؟
لا ينبغي أن نخاف من العمل عن بُعد. ينبغي أن نستقبله وننظمه ونستثمر فيه. نريد أن يعمل الأردني مع العالم، لكننا نريد أيضاً أن يبقى جزء من هذه العلاقة داخل الأردن: في الضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي، والضرائب، والعقار، والاستهلاك، والاستثمار، وتأسيس الشركات، وبناء الأسر، فكيف السبيل إلى ذلك؟ سؤال مطروح امام الدولة والمهتمين.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions