اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عاطف أبو حجر يكتب: مخاوي الصف

عاطف أبو حجر يكتب: مخاوي الصف
نبأ الأردن -
في أيام المدرسة، تلك الأيام التي كنا نظنها أبدية مثل طابور الصباح، كان لكل صفٍّ نظامه البيئي الخاص، أشبه بغابة صغيرة لها قوانينها غير المكتوبة. هناك العريف، ذلك الكائن الإداري الذي يعتقد أن السلطة تبدأ من دفتر الغياب والمحاية والطباشير. وهناك الطالب المجتهد، الأول على الصف، الذي نحبه نظريًا ونكرهه عمليًا. وهناك «أبو الطشية» الذي لا يُعرف له تخصص سوى إثارة الفوضى في اللحظات الحرجة، وكأنه مشروع أزمة متنقل.

ولا ننسى الرسام، الذي كان يرى في كل كتاب لوحة فنية، والرياضي الذي يركض في الحصة أكثر مما يفهم، ثم يأتي «مخاوي الصف»… ذلك الكائن الأسطوري الذي رسب سنتين أو ثلاثًا، فصار أطولنا قامةً وأعرضنا كتفين، وأشدنا بأسًا. كان يدخل الصف وكأنه فاتح عظيم، لا يحتاج إلى تعريف، فآثاره على وجوهنا كانت كفيلة بالسيرة الذاتية.

كان «المخاوي» مؤسسة قائمة بذاتها: يغشّ في الامتحانات بثقة القائد، ويطمع في سندويشاتنا بشهية لا تعرف الشبع، وله موظف خاص لحمل الحقيبة، وكنا ننتظر فقط أن يُعيِّن أحدنا مفتشًا صحيًا ليفلي رأسه من القمل والصيبان التي كانت — بكل أمانة — جزءًا من التراث المدرسي غير المعلن.

وذات يوم، قررنا — ونحن في قمة الوعي الثوري — أن نُنهي هذا الوضع. اجتمعنا سرًّا، كأننا نخطط لتحرير الصف، واتفقنا على انقلاب مدرسي شامل. قلنا: إلى متى سنظل خائفين؟ ألسنا بشرًا لنا كرامة… وسندويشات؟!

وُضعت الخطة المحكمة: يوم الخميس، نهاية الحصة الخامسة. واحد يعرقله، وآخر يمسك يده، وثالث يسيطر على رقبته، والبقية يجلسون على بطنه. لا تستغربوا… فقد كان حجمه يحتاج إلى توزيع مهام! وكما قال عادل إمام في مسرحية «شاهد ما شفش حاجة»: «ضخم الجثة.. عريض المنكبين».

وكان دوري — ويا لسوء الحظ — هو عرقلته. تقدمتُ بثقة القائد الميداني، مددتُ قدمي بين قدميه، وأنا أتصور خلفي جيشًا جرارًا من زملائي. لكن الرياح، كعادتها، لا تقرأ خططنا. ففي لحظة خاطفة، أمسك ببلوزتي، ورفعني عن الأرض كأنني إعلان معلّق، ونظرتُ خلفي… فلم أجد إلا الفراغ.

اختفى الرفاق، تبخرت الثورة، وتبخر معها إيماني بالجماعة. في تلك اللحظة، أدركتُ معنى «الغدر»، وفهمتُ أن الحماسة دون حساب، كمن يدخل امتحانًا بلا دراسة… أو كمن يعلن انقلابًا بلا رجال.

وهكذا انتهت ثورتنا قبل أن تبدأ، وبقي «مخاوي الصف» في منصبه، وبقيتُ أنا… عبرةً تاريخية تُروى في ذاكرة الصف، تحت عنوان:

«كيف تخسر معركة… وأنت الوحيد الذي حضرها.»
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions