اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عطاالله الشرعة يكتب : تقاعد للشعب ومناصب لا تتقاعد

عطاالله الشرعة يكتب :  تقاعد للشعب ومناصب لا تتقاعد
نبأ الأردن -
في الأردن يبدو أن للعمر مفهومين مختلفين مفهوم للمواطن العادي ومفهوم آخر لبعض أصحاب المناصب فالموظف عندما يصل إلى سن التقاعد يقال له شكرا لقد أديت واجبك وحان الوقت أن تفسح المجال لغيرك أما بعض المسؤولين فيبدو أن التقاعد عندهم ليس نهاية الخدمة بل بداية موسم جديد من المجالس والهيئات والاستشارات والعضويات وكأن المناصب أصبحت عقدا مفتوحا مدى الحياة وكأن الأردن توقف عن إنجاب الكفاءات منذ عقود

نتحدث كل يوم عن تمكين الشباب وتجديد الدماء والذكاء الاصطناعي والابتكار والتحول الرقمي وجامعات المستقبل ثم عندما يأتي وقت اختيار من يشارك في رسم مستقبل جامعاتنا نكتشف أن بعض الكراسي تعرف أصحابها أكثر مما تعرف المؤسسات نفسها فمن وزارة إلى مجلس ومن هيئة إلى مؤسسة ومن استشارة إلى عضوية حتى يكاد المواطن يعتقد أن هناك مناصب تتقاعد وهناك أشخاص لا يتقاعدون وبينما يقف آلاف الشباب وحملة الماجستير والدكتوراه وأصحاب الخبرات ينتظرون فرصة واحدة نجد أن الفرص الكبرى تعود أحيانا إلى من أخذ فرصته مرات ومرات وهنا يصبح الحديث عن تكافؤ الفرص بحاجة إلى تفسير لا إلى شعار

ولا أحد يطالب بإقصاء أصحاب الخبرة أو إنكار تاريخهم فبين من تم اختيارهم قامات علمية محترمة تستحق التقدير ومنهم الاستاذ الدكتور عادل الطويسي وغيره من أصحاب الخبرة والعطاء لكن احترام الخبرة شيء وتحويل المواقع العامة إلى دائرة مغلقة شيء آخر فالخبرة الحقيقية هي التي تصنع جيلا بعدها لا التي تبقى ممسكة بالكرسي إلى آخر الطريق ومن خدم وزيرا أو رئيسا أو مسؤولا كبيرا ثم تقاعد يستطيع أن يخدم وطنه بالفكر والنصيحة ونقل المعرفة دون أن يكون وجوده في كل مرحلة مرتبطا بمنصب جديد وعضوية جديدة ومكافأة جديدة

والمفارقة الأكثر وجعا أن لدينا بطالة مرتفعة وشبابا يبحثون عن أول وظيفة وخريجين يحملون أعلى الشهادات وبعضهم يفكر بالهجرة لأن الأفق أمامه يضيق ثم نكتشف في المقابل أن بعض أصحاب الرواتب التقاعدية يعودون إلى مواقع جديدة وكأننا نخشى عليهم من البطالة أيضا ولعل علينا من باب العدالة أن نضيف إلى خطط مكافحة البطالة برنامجا خاصا لمكافحة بطالة كبار المسؤولين السابقين فبلدنا بحمد الله في بحبوحة تسمح بأن نطمئن على مستقبلهم الوظيفي مرة بعد مرة أما الشاب الذي أمضى سنوات في الجامعة وحصل على الدكتوراه فعليه أن يتحلى بالصبر وربما ينتظر حتى يبلغ سن التقاعد قبل أن تأتيه فرصته

القضية ليست حربا بين جيلين ولا اعتراضا على عمر انسان فالعطاء لا يقاس بشهادة الميلاد وحدها ولكن الدولة التي تريد المستقبل لا يمكن أن تجعل التجديد مجرد كلام يقال في المؤتمرات والندوات ثم تعود عند توزيع المواقع إلى الأسماء ذاتها المطلوب معايير معلنة للكفاءة ومدد واضحة للعضوية وتجديد حقيقي يفتح المجال للاكاديميين والباحثين والنساء والشباب والكفاءات الأردنية في الداخل والخارج ويجمع خبرة الكبار مع طاقة الاجيال الجديدة بدلا من إبقاء الباب يدور في الاتجاه نفسه

الشباب الأردني لا يريد صدقة ولا يريد إزاحة أحد بالقوة بل يريد حقه الطبيعي في أن يجرب ويقود ويخطئ ويصيب ويصنع سجله كما صنع الذين سبقوه سجلاتهم فلا تحدثوا جيلا كاملا عن الابتكار ثم تمنعوه من الاقتراب من طاولة القرار ولا تطلبوا منه أن يبني المستقبل بينما مفاتيح الأبواب بقيت في الجيوب نفسها لعقود لأن المشكلة عندها لن تكون في بطالة الشباب فقط بل في بطالة الأمل نفسه وعندما يفقد الشباب الأمل فلا تسألوا لماذا يهاجرون بل اسألوا من جعل الوطن واسعا للمناصب وضيقاً على أبنائه.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions