اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

وضاح الوشاح يكتب: بين أشرطة الأمس وسيرفرات اليوم... رجال سبقوا زمنهم

وضاح الوشاح يكتب:  بين أشرطة الأمس وسيرفرات اليوم... رجال سبقوا زمنهم
نبأ الأردن -
في رحلة العمر المهني، يقف الإنسان أحياناً أمام محطات لا يصنعها المكان بقدر ما يصنعها الأشخاص الذين مروا فيه. أشخاص لم يكونوا مجرد مدراء أو زملاء عمل، بل معلمين وأصحاب فضل رسموا ملامح الطريق وأضاءوا بداياته. وحين أسترجع مسيرتي الإعلامية التي امتدت لعقود، أتوقف بإجلال أمام ثلاثة أسماء تركت بصمة لا تمحى في حياتي المهنية: المرحوم الأستاذ جواد مرقة، والمهندس راضي الخص، والأستاذ طلال العواملة.
​كانت بدايتي في استديوهات الأردن مع الأستاذ المرحوم جواد مرقة، ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد مسؤول أو مدير عمل، بل كان الأخ الأكبر والمعلم والناصح الأمين. تعلمت منه أن الإعلام ليس مجرد كاميرا أو استوديو أو شريط تسجيل، بل رسالة ومسؤولية وأخلاق مهنة. كان يؤمن بالشباب ويمنحهم الثقة، ويزرع فيهم روح الاجتهاد والتعلم، ولذلك بقي أثره حاضراً في ذاكرة كل من عمل معه.
​بعد تلك المرحلة المهمة، انتقلت إلى شبكة راديو وتلفزيون العرب (ART)، وهناك كانت محطة أخرى من التعلم والنضوج المهني برفقة سعادة المهندس راضي الخص، الرجل الذي يمكنني القول بثقة إنني ترعرعت مهنياً على يديه. تعلمت منه الكثير، ليس فقط في الإدارة والعمل الإعلامي، بل في استشراف المستقبل وقراءة ما هو قادم.
​في منتصف التسعينيات، كان المهندس راضي الخص يتحدث بثقة عن الثورة التكنولوجية القادمة في صناعة الإعلام. كان يتحدث عن الأرشفة الرقمية، وعن البث الآلي، وعن أنظمة التخزين الإلكترونية التي ستختصر الوقت والجهد وتغير شكل العمل التلفزيوني بالكامل. يومها كنا ننظر إلى هذه الأفكار وكأنها ضرب من الخيال أو أقرب إلى علم الغيب.
​كيف يمكن أن نصدق ذلك ونحن أبناء جيل عمل على أشرطة الـ2 إنش الضخمة، ثم انتقلنا إلى أشرطة الـ1 إنش، وبعدها إلى اليوماتيك، ثم البيتاكام؟ وكيف لنا أن نتخيل أن مكتبات كاملة من الأشرطة التي كانت تحتاج إلى مستودعات ضخمة وعمالاً لنقلها والبحث بينها ستصبح مجرد ملفات محفوظة على خوادم إلكترونية؟
​كنا نرى عملية المونتاج عملاً شاقاً يبدأ بالبحث عن الأشرطة وإحضارها ومراجعتها وإعادة ترتيبها، بينما كان المهندس راضي الخص يتحدث عن زمن يكفي فيه إدخال رقم تعريف (ID) ليظهر المحتوى المطلوب خلال ثوانٍ، ويمكن من خلاله تنفيذ المونتاج أو البث أو التوزيع دون الحاجة إلى لمس شريط واحد. يومها بدا الأمر بعيد المنال، أما اليوم فقد أصبح واقعاً نعيشه يومياً، بل وربما أصبحنا نعتبره أمراً بديهياً.
​وعندما أقارن بين الأمس واليوم، أدرك أن بعض القادة يمتلكون قدرة استثنائية على رؤية المستقبل قبل أن يراه الآخرون. لم يكن المهندس راضي الخص يتحدث عن أحلام، بل كان يقرأ القادم بعين الخبير الذي يفهم اتجاهات التكنولوجيا وتحولاتها.
​واليوم، وبعد هذه الرحلة الطويلة، أجد نفسي ما زلت أتعلم من قامة إعلامية كبيرة أخرى، هو الأستاذ طلال العواملة، الرئيس التنفيذي لمجموعة المركز العربي الإعلامية، وعراب الإنتاج التلفزيوني العربي وأحد أبرز من أسهموا في صناعة الدراما الأردنية والعربية. فمن خلال رؤيته وإصراره وإيمانه بالمحتوى العربي، استطاع أن يرفد الحركة الفنية بعشرات الأعمال الدرامية الخالدة، بل وحلّق بالدراما العربية نحو العالمية بحصوله على جائزة "الإيمي" العالمية عن إنتاج مسلسل "الاجتياح" كأول عمل عربي ينال هذا الاستحقاق الدولي الرفيع، ليثبت أن الإنتاج العربي القادر على المنافسة عالمياً يبدأ دائماً من الإيمان بالفكرة والاستثمار في الإنسان المبدع.
​ولأن أصحاب الرؤى الحقيقية لا يكتفون بمواكبة التطور بل يسعون إلى صناعته، فإن الأستاذ طلال العواملة يواصل اليوم فتح آفاق جديدة أمام العاملين في قطاع الإعلام من خلال تشجيعهم على استثمار أدوات الذكاء الاصطناعي وفهم التحولات التي يشهدها العالم. وكما سبق أن انتقلنا من عصر الأشرطة إلى عصر السيرفرات والأرشفة الرقمية، ها نحن نعيش اليوم مرحلة جديدة تتشكل فيها ملامح إعلام المستقبل. ومن خلال متابعته المستمرة وحرصه على نقل المعرفة إلى فريق العمل، أصبحنا نتعرف إلى الإمكانات الهائلة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في مجالات الإنتاج وإدارة المحتوى والبحث والأرشفة والتخطيط، لندرك مرة أخرى أن من يمتلك الرؤية الصحيحة يستطيع أن يرى الغد قبل أن يصبح واقعاً.
​إن الحديث عن التكنولوجيا وتطورها لا يكتمل دون الحديث عن الرجال الذين آمنوا بها قبل الجميع، والحديث عن النجاح لا يكتمل دون الاعتراف بفضل من وضعوا أيدينا على أول الطريق. ومن هنا، يبقى المرحوم جواد مرقة رمزاً للبدايات الصادقة، ويبقى المهندس راضي الخص مثالاً للرؤية المستقبلية التي سبقت عصرها، بينما يمثل الأستاذ طلال العواملة نموذجاً للقيادة التي ما زالت تصنع الإنجاز وتستشرف المستقبل وتكتب فصولاً جديدة في تاريخ الإعلام والإنتاج العربي.
​وفي زمن تتغير فيه الأدوات بسرعة مذهلة، تبقى الحقيقة الأهم أن التكنولوجيا تصنعها العقول، وأن المؤسسات الناجحة تبنيها القيادات الملهمة، وأن أجمل ما يتركه الإنسان خلفه ليس الأجهزة ولا المباني، بل الأثر الذي يزرعه في نفوس من عملوا معه وتعلموا على أيديهم.

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions