م. صلاح طه عبيدات يكتب: حين يصبح الكرسي أقوى من المؤسسة
نبأ الأردن -
من Nokia إلى مؤسساتنا: كيف تنتحر الإدارات حين تخاف من الكفاءات؟
لم تسقط Nokia لأنها لم تكن تعرف صناعة الهواتف، ولم تختفِ BlackBerry لأنها كانت تجهل التكنولوجيا، ولم تخرج LG من سوق الهواتف لأنها لم تمتلك المال أو المهندسين.
لقد كانت هذه الشركات تملك من الإمكانات ما يكفي لكي تستمر.
لكنها اصطدمت بشيء أخطر من نقص الإمكانات:
عقلية إدارية لم تستطع أن تتغير بالسرعة التي تغير بها العالم.
وهنا تبدأ الحكاية التي تتجاوز الهواتف إلى كل مؤسسة تخشى التجديد، وكل إدارة ترى في الكفاءة تهديدًا، وكل مسؤول يفضل الموظف الذي يقول «نعم» على الخبير الذي يقول: «لا، هذا القرار يحتاج إلى مراجعة.»
إن أخطر ما يمكن أن يصيب مؤسسة ليس الفشل، وإنما الاقتناع بأنها لا يمكن أن تفشل.
عندما تنجح المؤسسة سنوات طويلة، قد يتسلل إليها وهم خطير: أن الطريقة التي أوصلتها إلى النجاح هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تحافظ بها على النجاح.
فتتحول الخبرة إلى جمود.
والاستقرار إلى خوف من التغيير.
والولاء إلى بديل عن الكفاءة.
والمنصب إلى غاية بدل أن يكون مسؤولية.
وهنا يبدأ الانحدار، ولكن بصورة لا يلاحظها أحد.
فالمؤسسة لا تنهار في اليوم الذي تعلن فيه إفلاسها.
إنها تبدأ بالانهيار يوم يصبح الموظف الكفؤ حذرًا من الكلام، والخبراء مترددين في تقديم آرائهم، والمدير محاطًا بمن لا يختلفون معه، والتقارير مكتوبة لإرضاء الإدارة بدل أن تعكس الحقيقة.
عندها تصبح المؤسسة أشبه بسفينة تسير في البحر، لكن غرفة القيادة لا تريد أن تسمع صوت أجهزة الإنذار.
وكلما ارتفع صوت الإنذار، خُفّض صوته.
حتى يأتي يوم لا يعود فيه الإنذار مفيدًا.
وهذا هو جوهر العطب المؤسسي.
العطب ليس دائمًا فسادًا ماليًا، ولا مخالفة إدارية، ولا قرارًا خاطئًا.
أحيانًا يكون العطب في الثقافة التي تمنع اكتشاف الخطأ.
قد تكون الأنظمة ممتازة على الورق، والهياكل التنظيمية أنيقة، والتعليمات واضحة، والشعارات براقة، لكن المؤسسة تظل عاجزة لأن الإنسان الذي يديرها لا يريد أن يسمع إلا ما يوافق هواه.
وهنا تصبح المشكلة أخطر.
لأن المؤسسة تبدأ في مكافأة السلوك الذي يريح الإدارة، بدل السلوك الذي يحمي المؤسسة.
فتصعد المجاملة.
وتتراجع المهنية.
ويصبح الصمت حكمة.
والاعتراض تهورًا.
والاستقلالية مشكلة.
والكفاءة «شخصية صعبة».
أما الذي يعرف كيف يقرأ مزاج المسؤول، فيصبح فجأة «موظفًا متعاونًا».
ومن هنا تبدأ أخطر عملية في حياة المؤسسات:
إعادة تعريف الكفاءة.
لم تعد الكفاءة هي القدرة على الإنجاز.
بل القدرة على عدم إزعاج صاحب القرار.
لم يعد الولاء للمؤسسة.
بل أصبح الولاء للأشخاص.
لم تعد قيمة الموظف بما يعرفه.
بل بمن يعرف.
وعندها تتغير معايير الاختيار، فتُستبعد العقول التي يمكن أن تطور المؤسسة، وتُستقدم عقول لا تشكل خطرًا على مراكز النفوذ.
ثم تتساءل الإدارة بعد سنوات:
لماذا لا يوجد ابتكار؟
لماذا تتراجع الإنتاجية؟
لماذا يهرب المتميزون؟
لماذا أصبحت المؤسسة عاجزة عن المنافسة؟
والحقيقة أن الإجابة كانت موجودة منذ البداية:
لقد قتلنا البيئة التي ينتج فيها المتميزون.
إن الكفاءة لا تحتاج إلى مكتب فاخر كي تعمل، لكنها تحتاج إلى بيئة تحترم العقل.
والإبداع لا يحتاج دائمًا إلى ميزانية ضخمة، لكنه يحتاج إلى حرية السؤال.
والتطوير لا يحتاج إلى خطب طويلة، بل يحتاج إلى إدارة تستطيع أن تقول:
«كنت مخطئًا.»
وهذه ربما أصعب جملة على بعض الإدارات.
لأن الاعتراف بالخطأ عند المسؤول الناضج قوة.
أما عند المسؤول الذي يربط هيبته بعدم الخطأ، فهو هزيمة.
ولهذا قد يتحول بعض المسؤولين إلى أسرى لقراراتهم القديمة.
يدافعون عن القرار لأنه قرارهم.
ويدافعون عن الموظف لأنه موظفهم.
ويبررون الخطأ لأن الاعتراف به سيكشف ضعفهم.
وهكذا تصبح المؤسسة رهينةً لسلسلة من القرارات السابقة، لا تستطيع التراجع عنها، لأن التراجع يعني الاعتراف بأن أحدًا أخطأ.
لكن السؤال الحقيقي:
هل نحن نحمي المؤسسة أم نحمي صورة المسؤول؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الإدارة الرشيدة والإدارة المريضة.
إن قصة Nokia وغيرها لا ينبغي أن تُدرّس في كليات الإدارة باعتبارها قصة شركات هواتف فقط.
إنها قصة إنسانية عن الغرور المؤسسي.
عن النجاح الذي يتحول إلى ثقة زائدة.
وعن المؤسسات التي ترى التغيير قادمًا، لكنها لا تريد أن تدفع ثمن التغيير.
وعن المسؤول الذي يعرف أن شيئًا ما يحتاج إلى إصلاح، لكنه يؤجل الإصلاح حتى يصبح الإصلاح نفسه أكثر كلفة من الانهيار.
وهذه ليست مشكلة شركة تكنولوجية فقط.
يمكن أن تحدث في مصنع.
وفي جامعة.
وفي وزارة.
وفي مؤسسة عامة.
وفي شركة خاصة.
وفي أي مكان يصبح فيه الكرسي أهم من الرسالة.
فالمؤسسة التي تجعل بقاء المسؤول غايةً أعلى من بقاء المؤسسة، تضع بذرة فنائها بيدها.
والمسؤول الذي يحيط نفسه بمن هم أضعف منه خوفًا من أن ينافسوه، لا يبني فريقًا؛ بل يبني قفصًا.
وفي القفص قد يشعر بالسيطرة.
لكن المؤسسة خارجه تكون قد بدأت تختنق.
إن أعظم اختبار لأي إدارة ليس عدد الموظفين الذين يصفقون لها.
بل عدد الموظفين الذين يستطيعون أن يقولوا لها:
«أنت مخطئ.»
ثم يبقون في مواقعهم، ويُسمع رأيهم، وتُراجع قراراتهم، ولا يُعاقبون لأنهم مارسوا حقهم المهني في النقد.
تلك هي المؤسسة القوية.
أما المؤسسة التي لا تحتمل النقد، فهي ليست قوية.
إنها هشة، لكنها لم تكتشف هشاشتها بعد.
ولذلك، فإن الإصلاح المؤسسي الحقيقي لا يبدأ دائمًا بإعادة هيكلة الإدارات، ولا بتغيير المسميات، ولا بإصدار تعليمات جديدة.
يبدأ بسؤال أكثر عمقًا:
هل نريد مؤسسةً تخدم الأشخاص، أم مؤسسةً تخدم رسالتها؟
إذا كانت الإجابة هي المؤسسة ورسالتها، فعلينا أن نعيد الاعتبار للكفاءة، والشفافية، والمساءلة، والاستقلالية المهنية، وتكافؤ الفرص، وحق الاختلاف.
أما إذا كان المطلوب هو حماية المواقع والنفوذ، فسنستمر في إنتاج مؤسسات تبدو من الخارج حية، بينما تتآكل من الداخل.
ولعل أكثر ما يوجع في قصص الشركات التي خرجت من السوق أنها لم تكن تجهل الخطر دائمًا.
لقد كان الخطر مرئيًا.
لكن المؤسسة لم تتحرك في الوقت المناسب.
وهذه هي المأساة.
فالمؤسسة لا تحتاج إلى أن تكون الأولى دائمًا.
لكنها تحتاج إلى أن تكون يقظة دائمًا.
لأن العالم لا ينتظر أحدًا.
والتكنولوجيا لا تنتظر.
والسوق لا ينتظر.
والكفاءات لا تنتظر.
وحتى الموظف المخلص، حين يكتشف أن المؤسسة لا تريد عقله وإنما تريد صمته، سيبحث يومًا عن مكان يستطيع فيه أن يكون إنسانًا مهنيًا لا مجرد رقم في كشف الرواتب.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يقلق كل مسؤول يجلس خلف مكتبه ليس:
«هل ما زلت أملك السلطة؟»
بل:
«هل ما زالت المؤسسة قادرة على البقاء من دوني؟»
فإذا كانت الإجابة نعم، فقد نجحت في بناء مؤسسة.
أما إذا كانت الإجابة لا، فقد تكون نجحت فقط في بناء مملكة شخصية مؤقتة.
والممالك الشخصية، مهما بدت قوية، تنتهي بانتهاء أصحابها.
أما المؤسسات الحقيقية، فتبقى.
فلا تجعلوا الكرسي أكبر من المؤسسة، ولا تجعلوا الولاء للأشخاص أكبر من الولاء للعمل، ولا تجعلوا الخوف من الكفاءة سببًا في صناعة الفشل.
فربما لا يكون أخطر شيء على المؤسسة أن يأتيها منافس أقوى.
ربما يكون أخطر شيء أن يصبح داخلها من يخاف من أن يكون أحدٌ أفضل منه.
وحين يحدث ذلك، تبدأ المؤسسة في التخلص من أفضل ما لديها...
ثم تبحث، بعد فوات الأوان، عن سبب سقوطها
























