شيرين قسوس تكتب: ماذا لو نطق الكرسي
نبأ الأردن -
في كل حارة شخص يعرف أكثر مما ينبغي، يسمع أكثر مما يتحدث، وتصل إليه الأخبار قبل أن تجد طريقها إلى أصحابها. وأنا واحدة من هؤلاء الذين علمتهم الأيام أن للحارة آذاناً كثيرة، وأن بعض الحكايات تبدأ من جلسة عابرة على كرسي قديم. هناك، حيث يجلس الناس بلا تكلف، تسقط الحواجز، وتخرج الكلمات من أفواه أصحابها وكأنها لم تكن أسراراً. ومن هنا تراودني دائماً فكرة غريبة: ماذا لو نطق الكرسي يوماً ؟!
لو نطق، فلن يحكي عن الناس فقط، بل عن زمن كامل يمر أمامه. سيحكي عن رجل يناقش السياسة في المساء كأنه يملك مفاتيح البلاد، ثم يعود إلى بيته ليحسب ما تبقى من راتبه. سيحكي عن اقتصاد لا يظهر في الأرقام بقدر ما يظهر في يد أم تعيد عدّ نقودها أمام رفوف الدكان، وفي أب صار يشتري الضروري ويؤجل ما يستطيع تأجيله. وسيخبرنا أن الناس حين تضيق بهم الحياة، لا يتوقفون عن الكلام؛ بل ربما يتحدثون أكثر، لأن الحديث أحياناً هو الشيء الوحيد الذي لا يزال متاحاً للجميع.
وسيكون للزواج والطلاق مكان في ذاكرته أيضاً. سيعرف أن بعض الزيجات تبدأ من نظرة عابرة، وأن بعضها ينتهي بعد سنوات من الصمت. سيحكي عن شاب جلس ليلة زفافه يضحك مع أصدقائه، بينما كان يخفي خوفاً من المستقبل، وعن امرأة جلست طويلاً وحدها لأنها لم تجد في بيتها مكاناً تستطيع فيه أن تكون نفسها. وسيعرف أن الطلاق لا يبدأ يوم يخرج أحد الزوجين من الباب، بل ربما يبدأ قبل ذلك بكثير، حين يصبح الكلام ثقيلاً والصمت أسهل.
أما الخلافات العائلية، فسيكون الكرسي شاهداً على الجانب الذي لا يصل إلى الناس. سيجلس الأخ إلى جوار أخيه وهما يتحدثان عن أمور عادية، بينما يحمل كل واحد منهما عتاباً قديماً لا يملك شجاعة قوله. وسيعرف أن الحارة كثيراً ما تصنع رواية كاملة من نصف كلمة، وأن القصة حين تنتقل من فم إلى فم لا تبقى كما بدأت. ما يبدأ بملاحظة عابرة قد يصبح في المساء خبراً مؤكداً، وما يقوله شخص بدافع الغضب قد يتحول في اليوم التالي إلى حقيقة يتداولها الجميع.
وأحياناً أتخيل قصصاً لم تحدث، فقط لأرى كم يمكن للكرسي أن يعرف لو كان له لسان. أتخيله يحكي عن رجل يجلس كل ليلة وينظر إلى البيت المقابل، والجميع يعتقد أنه ينتظر شخصاً، بينما الحقيقة أنه جاء إلى الشارع هرباً من الوحدة. وأتخيله يحكي عن شقيقين يجلسان في المكان نفسه، يفصل بينهما نصف متر فقط، لكن بينهما سنوات من الغضب؛ كل واحد منهما يريد أن يبدأ المصالحة، وكل واحد ينتظر أن يبدأ الآخر. وربما يحكي عن جار يعرف أخبار الجميع، لكنه يخفي عن الجميع خبراً واحداً يخصه هو، وعن رجل يتحدث كثيراً عن المال بينما يخشى أن يسأل أحد عن ديونه، وعن امرأة تضحك على مشاكل الآخرين بينما تعود كل ليلة إلى بيتها وهي تحمل مشكلة لا يعرف عنها أحد شيئاً.
هذه هي الحارة التي أراها؛ ليست الحارة التي نعرفها من الشوارع والأبواب فقط، بل الحارة التي تسكن داخل الكلام والنظرات والجلسات الطويلة والجمل التي تبدأ بـ"سمعت" وتنتهي بحكاية كاملة. هي مكان تختلط فيه الأخبار بالآراء، والحقائق بالتخمينات، والمشاكل الحقيقية بالقصص التي يضيف إليها كل راوٍ من عنده شيئاً حتى تصبح الحكاية مختلفة تماماً عن بدايتها.
وأحياناً أفكر فيما سيحدث لو أن الكرسي تكلم فعلاً. كم شخصاً سيتمنى لو بقي صامتاً؟ وكم قصة سنكتشف أنها لم تكن كما سمعناها؟ وكم إنساناً حكمنا عليه لأننا عرفنا نصف حكايته فقط؟ ربما سيكشف أسرار البيوت التي تداولناها همساً، والنميمة التي بدأت بجملة وانتهت بقصة، والوجوه التي تتغير بحسب الشخص الجالس أمامها. سيخبرنا من صافح جاره بابتسامة ثم جلس بعد دقائق يتحدث عنه بسوء، ومن دافع عن الأخلاق أمام الناس ثم مارس في الخفاء ما يعيبه على غيره، ومن يتظاهر بالمحبة وهو يحمل في قلبه حسابات قديمة. سيكشف كيف تستطيع الحارة أن تصنع من خبر صغير فضيحة، ومن إشاعة حقيقة، ومن خصومة عابرة عداوة تمتد لسنوات.
ولو نطق الكرسي فعلاً، ربما أصبحت جلسة واحدة كافية لإعادة كتابة تاريخ الحي كله. سيعرف من أحب من دون أن يقول، ومن خان ثقة صديقه، ومن نقل سراً ثم تظاهر بأنه لا يعرف شيئاً، ومن أشعل خلافاً بين عائلتين ثم جلس يتفرج على نتائجه. وربما لن يكون أكثر ما يثير الخوف هو ما سيقوله عن الآخرين، بل ما سيقوله عن كل واحد منا حين يغيب صاحبه عن المكان. عندها فقط سنكتشف أن الحارة ليست مليئة بالأسرار فحسب، بل مليئة أيضاً بالوجوه التي تحفظ الأسرار في العلن، ثم تبيعها في الخفاء.
وربما، بعد أن ينتهي الكرسي من الكلام، لن يبقى في الحارة سر يستحق أن يُخفى، لأن كل شيء سيكون قد قيل. عندها سيعرف الناس أن النميمة لم تكن مجرد كلام عابر، وأن بعض الابتسامات كانت تخفي خصومات، وأن بعض الصداقات لم تكن سوى مصالح، وأن كثيراً من الأحكام التي أصدرناها على الآخرين كانت مبنية على حكايات ناقصة. وربما سيعود الكرسي إلى صمته من جديد، لا لأنه نسي ما سمع، بل لأنه أدرك أن بعض الأسرار إذا خرجت من مكانها لا تعود مجرد حكايات، بل تصبح أذى لا يمكن إصلاحه.
فماذا لو كان كرسي نائبا او وزيرا او حتى حاكما !!
























