اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. عطاالله الشرعة يكتب: الأردن بلد المليون شيخ وباشا ودكتور… من أين جاءت كل هذه الألقاب؟

د. عطاالله الشرعة يكتب: الأردن بلد المليون شيخ وباشا ودكتور… من أين جاءت كل هذه الألقاب؟
نبأ الأردن -
لا أعرف متى أصبح الاسم في الأردن غير كاف لصاحبه، ومتى أصبح الإنسان بحاجة إلى لقب يسير أمامه حتى يشعر أن له مكانة في المجتمع. دولة ومعالي وعطوفة وسعادة وباشا وبيك وشيخ ودكتور، حتى تكاد تبحث عن "السيد فلان” فلا تجده بين زحمة الألقاب. مسؤول يغادر موقعه ويبقى اللقب معه إلى آخر العمر، وضابط يتقاعد فتبقى الرتبة عنوانا اجتماعيا دائما، وشخص يحضر جاهتين ويتصدر مجلسا فيصبح شيخا، وآخر يحصل على شهادة فخرية من جهة ما فيستيقظ في اليوم التالي وقد أصبح "الدكتور فلان”. والسؤال ببساطة: من أين جاء كل هؤلاء الشيوخ والباشوات والدكاترة؟

المشكلة ليست في احترام المناصب ولا في تقدير من خدم الدولة أو القوات المسلحة، ولا في احترام شيوخ العشائر الحقيقيين وأصحاب المكانة المعروفة، وإنما في تحويل الألقاب إلى طبقات اجتماعية. المنصب العام مسؤولية مؤقتة وليس إرثا عائليا، والرتبة العسكرية موضع احترام وتقدير لكنها مرتبطة بمسار وظيفي وخدمة معروفة، أما لقب "الشيخ” فقد أصبح يحتاج إلى وقفة حقيقية. من هو الشيخ؟ ومن يمنحه هذه الصفة؟ وهل كل من جلس في صدر المجلس أو تحدث في جاهة أو أصبح ناشطا اجتماعيا صار شيخ عشيرة؟ للعشائر الأردنية تاريخها وشيوخها ومرجعياتها المعروفة، والإفراط في توزيع هذا اللقب لا يرفع مكانة الناس بل ينتقص من قيمة اللقب نفسه ومن مكانة من يستحقه فعلا.

أما حكاية "الدكتور” فأصبحت أكثر غرابة. الدكتوراه الأكاديمية ليست بطاقة مجاملة ولا شهادة تعلق على الحائط، بل درجة علمية لها جامعات معترف بها ومتطلبات ودراسة وبحث ومناقشة وتحكيم وسنوات من الجهد. ومن حصل عليها وفق الأصول فمن حقه أن يحمل لقبه بكل اعتزاز. أما ما يسمى بالدكتوراه الفخرية فهي تكريم فخري وليست درجة أكاديمية مكتسبة، ولا تجعل حاملها صاحب مؤهل دكتوراه أكاديمي. والأغرب أن بعض الناس أصبح يبحث عن لقب الدكتور أكثر من بحثه عن العلم نفسه، وكأن حرف الدال قبل الاسم أصبح هدفا بحد ذاته. احترام العلم يبدأ بحماية ألقابه من العبث، لأن مساواة من قضى سنوات في البحث والدراسة بمن حصل على تكريم فخري ثم قدم نفسه بوصفه "دكتورا” ليست تكريما للعلم بل إفراغا للقب الأكاديمي من قيمته.

نحن بحاجة إلى مراجعة ثقافة كاملة وليس مجرد كلمات. الوزير بعد انتهاء مهمته مواطن محترم بما قدمه، والمسؤول السابق لا تنقص قيمته إذا ناديناه باسمه، والضابط المتقاعد يحفظ تاريخه وخدمته احترام الناس له، والشيخ الحقيقي لا يحتاج إلى مئة منشور على مواقع التواصل لإثبات مشيخته، والعالم الحقيقي لا يحتاج إلى شهادة فخرية حتى يصبح دكتورا. قيمة الرجال والنساء لا تصنعها الكلمات التي تسبق أسماءهم، وإنما تصنعها أعمالهم وأخلاقهم وعلمهم وما تركوه من أثر في وطنهم ومجتمعهم.

فلماذا لا نعيد الاعتبار إلى أبسط الألقاب وأكثرها مساواة واحتراما: السيد والسيدة؟ لماذا لا يكون المنصب لقبا وظيفيا أثناء شغله، ثم يعود الجميع بعد انتهاء المسؤولية إلى أسمائهم التي حملوها قبلها؟ نحن لا نقلل بذلك من أحد، بل نرفع قيمة المواطن ونرسخ مفهوم الدولة التي تحترم الإنسان قبل الكرسي والوظيفة والرتبة.

كفانا صناعة للألقاب وتوزيعا للمشيخة والدكتوراه والوجاهة. فالدولة الحديثة لا تقاس بعدد أصحاب المعالي والعطوفة والباشوات والشيوخ والدكاترة فيها، بل بعدد المواطنين الذين يتساوون أمامها. وفي النهاية يبقى الاسم والعمل والسيرة، أما الكرسي فيزول والمنصب ينتهي واللقب لا يصنع رجلا.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions