اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. احمد زياد ابو غنيمة يكتب : زياد أبو غنيمة... أحد عشر عاماً.. رحل الجسد وبقي الأثر

د. احمد زياد ابو غنيمة يكتب : زياد أبو غنيمة... أحد عشر عاماً.. رحل الجسد وبقي الأثر
نبأ الأردن -
في مثل هذا اليوم، التاسع والعشرين من آب لعام ٢٠١٥، ترجل الفارس عن صهوة جواده، وتوقف نبض قلبك الكبير يا والدي الحبيب "زياد أبو غنيمة". 
أحد عشر عاماً مضت على رحيلك، وما زال طيفك يسكن الوجدان، وما زالت كلماتك تتردد في جنبات الروح، لتذكرنا برجل لم يكن يوماً عابراً في تاريخ هذا الوطن، بل كان قامة بحجم الأردن، وضميراً ينبض بحب ترابه.
****
نصف قرن من المبادئ الثابتة...
أستذكرك اليوم يا والدي، وأستذكر معك نصف قرن من المواقف الوطنية الصادقة التي لم تتبدل ولم تتلون. 
لقد كنت، طوال مسيرتك، منارة للحق، وبصماتك القيادية في الحركة الإسلامية لا زالت محفورة في ذاكرة الأجيال؛ ولعل ذروة سنام هذا العطاء تجلت في تلك الأيام التاريخية، يوم تصديت بكل براعة واقتدار لقيادة الحملة الإعلامية لمرشحي الحركة الإسلامية في انتخابات برلمان عام ١٩٨٩م، لترسم بحنكتك نموذجاً يُحتذى في العمل السياسي والإعلامي الملتزم.
****
مفكر وسياسي لم تستهوه المناصب...
لم تكن يا والدي مجرد سياسي، بل كنت مفكراً ومناظراً فذاً. لا زالت مجالس عمّان ومنتدياتها وصُحفها تحفظ لك تلك السجالات الفكرية العميقة والراقية مع رموز القوميين واليساريين في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي؛ حيث قارعت الحجة بالحجة، باحترام وأدب، وعقل راجح، مدافعاً عن فكرك الإسلامي الأصيل.
وكم كبرتَ في عيوني وعيون محبيك حين زهدت بمواقع المسؤولية المتقدمة التي أُتيحت لك لتكون وزيراً في حكومتين، فاعتذرت عنها بلباقة، زاهداً في بريق الكراسي، ومؤثراً الحفاظ على خطك السياسي والفكري النقي الذي امتازت به حياتك بأكملها. لقد علمتنا أن المبادئ لا تُساوم، وأن الأوطان لا تُبنى بالمناصب بل بصدق المواقف.
****
استفتاء وطني في يوم الوداع...
يوم وداعك لم يكن يوماً عادياً للحزن فحسب، بل كان عزاؤك "استفتاءً وطنياً صادقاً"؛ لقد أمّ بيت العزاء الآلاف من أبناء وطننا الغالي، جاؤوا من كل حدب وصوب، ومن كافة المشارب الفكرية والتوجهات السياسية، ليودعوا رجلاً أجمعوا على احترامه وتقديره، حتى وإن اختلفوا معه في الرأي. كان ذلك المشهد المهيب أعظم عزاء لنا، وشهادة حق لرجل عاش لله وللوطن.
****
إرث يوثق ذاكرة الوطن...
إن غاب جسدك الطاهر يا والدي، فإن إرثك الفكري والتاريخي سيبقى حياً لا يموت. فلا زالت صفحاتك وإصداراتك:
• "جولة في ذاكرة الوطن"
• "الوزراء الحزبيون في الحكومات الأردنية"
• وكتابك المرجعي العظيم "التمثيل العشائري والعائلي في الحكومات الأردنية"
• وصولاً إلى سِفْرك الموسوعي الشامل "إربدي يتذكر"، الذي عانقت فيه مسقط رأسك، ووثقت من خلاله ذاكرة مدينة إربد العريقة بالأسماء والصور، نابشاً في عبق ماضيها الأصيل.
تقف هذه الأعمال اليوم مراجع تاريخية وشواهد حية على عطائك التوثيقي والتاريخي الفذ، الذي لم يسبقك إليه أحد، لتبقى للأجيال القادمة حارساً لذاكرة الأردن وهويته.
****
عتبٌ بحجم الفقد.. وحضورٌ لا يغيب...
ولعل ما يخفف عنا ألم الفقد منذ رحيلك يا والدي الغالي، هو تلك المحبة الصادقة التي تفيض من قلوب الناس لذكراك العطرة، ولما قدمته للوطن والأمة كلما ذُكر اسمك؛ وذلك رغم كل مرارة التضييق والإقصاء، والمنع من الظهور الإعلامي والصحفي، الذي مُورس بحقك في فترات مختلفة من حياتك، واشتدت وطأته بقسوة في سنوات حياتك الأخيرة. 
أقولها اليوم بغصةٍ وعتابٍ شديدين: إن قامةً بحجمك، وتاريخاً بحجم عطائك ونقائك، لا تمحوه قراراتٌ جائرة بالإقصاء أو التهميش، فمثلك لا تغيّبه قرارات المنع، بل يبقى حياً نابضاً، وحاضراً بقوة في قلب وذاكرة شرفاء الوطن وأحراره.
****
على العهد باقون...
​وما زال أبناؤك يا والدي يسيرون على ذات المبادئ والقيم التي غرستها فينا، نصدح بالحق وننصح بصدق، رغم ما نعانيه من إقصاء وتهميش، والذي نعتبره امتداداً لضريبة الثبات التي كنت تدفعها وتعاني منها في حياتك؛ وسيبقى الاردن وامنه واستقراره بوصلتنا التي لا تحيد.
رحل الجسد يا والدي الغالي، وبقي الأثر الطيب لفقيدنا الذي لا يُعوض. 
نم قرير العين يا أبا محمود، فذكراك مخلدة، ومسيرتك العطرة أمانة في أعناقنا نحملها بكل فخر واعتزاز.
رحمك الله يا والدي، وأسكنك فسيح جناته، وجمعنا بك في مستقر رحمته.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions