د. محمد الجبور يكتب: حين يتحول التنظير إلى تحريض: الأسرة بين خطاب الصراع ومسؤولية العلماء
نبأ الأردن -
لم تعد الأسرة اليوم تواجه تحدياتها التقليدية فقط، بل أصبحت تواجه نوعًا آخر من الخطر يتمثل في بعض الخطابات التي تتسلل إلى الوعي الاجتماعي تحت عناوين التوعية والإرشاد والثقافة، بينما تنتهي في بعض الأحيان إلى تكريس الصراع بين الرجل والمرأة، وزرع الشك والعداء داخل البيت الواحد.
المشكلة ليست في أن نتحدث عن حقوق المرأة، ولا في أن نناقش حقوق الرجل، فحماية الحقوق والكرامة الإنسانية واجب لا خلاف عليه. لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول الحديث عن الحقوق إلى خطاب تحريضي يصور العلاقة بين الرجل والمرأة باعتبارها معركة لا شراكة، وغلبة لا مودة، وحقوقًا متصارعة بدل أن تكون مسؤوليات متكاملة.
والأكثر خطورة أن يصدر هذا الخطاب أحيانًا عن أشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم علماء أو أصحاب معرفة وتأثير، فيتلقّى الناس كلامهم باعتباره حقيقة لا تقبل النقاش. وهنا تصبح المسؤولية أكبر؛ لأن الكلمة الصادرة من صاحب مكانة فكرية أو دينية لا تبقى مجرد رأي شخصي، بل قد تتحول إلى سلوك اجتماعي، وقد تدخل إلى البيوت فتغير طريقة تفكير الزوجة تجاه زوجها، والزوج تجاه زوجته، والأبناء تجاه والديهم.
إن المرأة ليست بحاجة إلى من يحرضها على الرجل، كما أن الرجل ليس بحاجة إلى من يحرضه على المرأة. كلاهما بحاجة إلى خطاب يعيد بناء الثقة، ويؤكد أن الأسرة مؤسسة تقوم على المحبة والرحمة والاحترام والتعاون وتحمل المسؤولية.
ولا يمكن بناء مجتمع متماسك إذا أصبح المنزل ساحة لتصفية الحسابات بين الجنسين. فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسمع فيها باستمرار أن الرجل خصم للمرأة أو أن المرأة خصم للرجل، لن يتعلم معنى الشراكة، بل سيتعلم الخوف والشك والعداء. ومع مرور الوقت تتحول الخلافات الزوجية الطبيعية إلى صراع مفتوح، وتصبح الضحية الأولى هي الأسرة، ثم يأتي المجتمع ليدفع الثمن.
إن بعض مظاهر التفكك الأسري لا تبدأ بحدث كبير، وإنما تبدأ بكلمة، أو خطاب، أو فكرة تتكرر حتى تصبح قناعة. وعندما يُقال للمرأة باستمرار إن الرجل هو المشكلة، أو يُقال للرجل إن المرأة هي مصدر الخطر، فإننا لا نعالج المشكلات، بل نوسعها وننقلها من حالة فردية إلى ظاهرة اجتماعية.
وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين الدفاع عن المرأة وبين التحريض عليها أو باسمها. الدفاع الحقيقي عن المرأة يكون بحمايتها من العنف والظلم والاستغلال، وبتمكينها من التعليم والعمل والمشاركة، وبصون كرامتها وحقوقها. لكنه لا يكون بتدمير علاقتها بأسرتها أو تحويلها إلى طرف في معركة مفتوحة مع الرجل.
وفي المقابل، الدفاع عن الأسرة لا يعني تبرير أخطاء الرجل أو التغاضي عن الظلم الذي قد تتعرض له المرأة. فالأسرة القوية لا تقوم على إخفاء الأخطاء، وإنما على معالجة الأخطاء بالعدل والحكمة والمسؤولية.
أما من يقدم نفسه عالمًا أو مصلحًا أو صاحب رسالة، فعليه أن يدرك أن المنبر مسؤولية، والكلمة أمانة، والتأثير الاجتماعي ليس امتيازًا بلا ثمن. فليس من الحكمة أن نقدم حلولًا لمشكلة صغيرة تؤدي إلى مشكلة أكبر، ولا أن نعالج خلافًا زوجيًا بخطاب يدفع أحد الطرفين إلى كراهية الآخر.
نحن بحاجة إلى خطاب جديد يعيد تعريف العلاقة بين الرجل والمرأة بعيدًا عن عقلية المعسكرات. الرجل ليس عدو المرأة، والمرأة ليست عدو الرجل. كلاهما شريكان في بناء الأسرة، وكلاهما مسؤول عن حماية الأبناء، وكلاهما يحتاج إلى الآخر في رحلة الحياة.
إن الحفاظ على الأسرة ليس دفاعًا عن الرجل ضد المرأة، ولا عن المرأة ضد الرجل؛ بل هو دفاع عن المجتمع كله.
وإذا كانت هناك أخطاء داخل الأسرة، فعلينا أن نعالجها بالقانون، والوعي، والاستشارة الأسرية، والتربية، والحوار، لا بالتحريض والتعميم وإشعال الكراهية.
لقد أصبح من الضروري مراجعة الخطاب الذي يقدم للناس، خصوصًا عبر المنصات الرقمية، ومساءلة كل خطاب يؤدي إلى تفكيك العلاقات الاجتماعية تحت غطاء الوعظ أو التثقيف أو الدفاع عن الحقوق. فالحرية في التعبير لا تعني أن يصبح المجتمع ضحية لخطاب يزرع الكراهية بين أفراده.
الأسرة ليست ساحة حرب، والرجل والمرأة ليسا خصمين.
وإذا أردنا مجتمعًا آمنًا ومتوازنًا، فعلينا أن نحمي الأسرة من كل خطاب يهدم الثقة، وأن نعيد الاعتبار لقيم الحوار والاحترام والرحمة والمسؤولية المشتركة.
فالمجتمعات لا تُهدم دائمًا بالقوة؛ أحيانًا تبدأ عملية الهدم من فكرة تُزرع في العقل، وكلمة تُقال بلا مسؤولية، وخطاب يحول الشريك إلى خصم.
ومن هنا، فإن مسؤولية أصحاب المنابر والعلم والمعرفة ليست أن يشعلوا الخلاف بين الرجل والمرأة، وإنما أن يكونوا جزءًا من الحل، وأن يساعدوا الأسرة على تجاوز أزماتها، لا أن يتحولوا ـ بقصد أو بغير قصد ـ إلى وقود للتفكك الاجتماعي.
بقلم: د. محمد الجبور
كاتب وباحث
























