شيرين قسوس تكتب: إلى معالي وزير التربية والتعليم الدكتور عزمي محافظة
نبأ الأردن -
معالي الوزير الدكتور عزمي محافظة المحترم،
تحية طيبة وبعد،
في ضوء ما شهدناه مؤخراً من نقاش وقلق لدى الطلبة وأولياء الأمور حول نظام الحقول الدراسية، أرى أن المرحلة الحالية يجب أن تكون فرصة للانتقال من معالجة المشكلة الآنية إلى بناء نظام تربوي واضح ومستقر وعادل، يحقق أهداف تطوير التعليم والتوجيهي، وفي الوقت نفسه يمنح الطالب مساحة كافية لاختيار مستقبله وفق قدراته وميوله دون أن يتحول قرار مبكر إلى قيد يرافقه طوال مسيرته التعليمية.
أول ما يحتاجه النظام هو ثبات القواعد وعدم تغييرها أثناء دراسة الطلبة، بحيث تعلن الوزارة أي تعديلات جوهرية قبل بدء تطبيقها، وتُطبق على الطلبة الجدد دون المساس بالطلبة الذين بدأوا دراستهم وفق تعليمات سابقة. فالاستقرار في القرارات التعليمية ضروري حتى تتمكن الأسرة والطالب والمدرسة من التخطيط بثقة، وحتى لا يشعر الطلبة بأن مستقبلهم مرتبط بقرارات قد تتغير خلال العام الدراسي.
أما توزيع الطلبة على الحقول، فينبغي أن تكون رغبة الطالب هي الأساس، بعيداً عن النسب الجامدة التي تحدد مسبقاً أعداد الطلبة في كل حقل. وإذا زاد الإقبال على حقل معين، فيجب أن تتعامل الوزارة مع ذلك من خلال التخطيط للموارد وزيادة الشعب والمعلمين والمختبرات حيثما أمكن، مع اعتماد معايير واضحة وشفافة فقط عندما تكون هناك قيود حقيقية على القدرة الاستيعابية.
والأهم أن يكون الحقل مساراً دراسياً وليس حكماً نهائياً على مستقبل الطالب. فمن الطبيعي أن يكتشف الطالب بعد اختياره أن ميوله أو قدراته تتجه إلى مجال مختلف، ولذلك أقترح إنشاء "جسر أكاديمي" يسمح له بالانتقال إلى تخصصات أخرى بعد استكمال المواد أو المهارات المطلوبة، سواء من خلال مساقات تأهيلية أو فصل دراسي مخصص لذلك. وبهذه الطريقة نحافظ على المتطلبات العلمية للتخصصات الجامعية، من دون أن نحرم الطالب من فرصة تصحيح اختياره.
ولكي يكون اختيار الحقل أكثر واقعية، يجب تعزيز الإرشاد الأكاديمي والمهني منذ الصف العاشر من خلال اختبارات القدرات والميول، وتعريف الطلبة بالتخصصات الجامعية والمهن المستقبلية واحتياجات سوق العمل، بحيث لا يتخذ الطالب قراره اعتماداً على نصيحة عابرة أو انطباع شخصي، وإنما بعد معرفة حقيقية بقدراته والخيارات المتاحة أمامه.
كما أن إصلاح الحقول يجب أن يترافق مع إعادة الاعتبار إلى التعليم المهني والتقني باعتباره مساراً أساسياً من مسارات التعليم، وليس خياراً للطالب الأقل تحصيلاً. ويجب توفير مسارات واضحة تسمح للطالب بالانتقال من التعليم المهني إلى التعليم العالي وفق شروط محددة، وربط التدريب المهني بصورة مباشرة باحتياجات سوق العمل والقطاعات الاقتصادية التي يحتاج إليها الأردن.
أما التوجيهي، فأرى أن يستمر في التطوير باتجاه تقييم وطني موحد يركز على الفهم والتطبيق والمهارات، مع الحد من الاعتماد على العلامات المدرسية غير المعيارية في المفاضلة بين الطلبة، والاستفادة من اختبارات تخصصية عند الحاجة للبرامج الجامعية التي تتطلب مهارات أو معارف محددة. فالهدف من الامتحان ليس زيادة الضغط على الطالب، وإنما تقديم معيار عادل يمكن من خلاله قياس مستواه ومنحه فرصاً حقيقية للالتحاق بالتخصص الذي يناسبه.
وأخيراً...
معالي الوزير،
ما حدث أخيراً يمكن أن ننظر إليه بطريقتين؛ إما أن نعتبره أزمة انتهت بإلغاء نسبة الـ30% ونعود إلى حياتنا الطبيعية حتى تظهر مشكلة جديدة، أو أن نعتبره جرس إنذار وفرصة تاريخية لإعادة بناء نظام الحقول على أساس أكثر نضجاً.
والقرار الأخير للوزارة بتوزيع طلبة الصف الثاني عشر وفق رغباتهم وإلغاء السقف البالغ 30% خطوة تستحق التقدير، لأنها استجابت لمخاوف حقيقية لدى الطلبة وأولياء الأمور، لكن المطلوب الآن هو ما هو أكبر: أن ننتقل من إدارة أزمة إلى بناء نظام.
نظام لا يخشى فيه الطالب من قرار مفاجئ، ولا يقرر مستقبله في سن مبكرة، ولا يجعل الحقل سجناً أكاديمياً، بل يساعده على اكتشاف قدراته ويوفر له إمكانية تصحيح مساره إذا تغيرت ميوله. نظام يربط التعليم باحتياجات سوق العمل، ويمنح المدرسة والجامعة والطالب أدواراً واضحة، ويستند في قراراته إلى البيانات والتقييم المستمر، مع الحفاظ على استقرار القواعد وعدم تغييرها على الطلبة أثناء دراستهم.
إن نجاح نظام الحقول لن يقاس بعدد الحقول أو بتغيير أسماء المواد، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين حرية الطالب وجودة التعليم ومتطلبات الجامعة واحتياجات سوق العمل. وإذا نجحنا في تحقيق هذا التوازن، فإن ما شهدناه اليوم يمكن أن يكون بداية لإصلاح حقيقي يجعل التعليم الأردني أكثر مرونة وعدالة واستقراراً، بدلاً من أن يكون أبناؤنا هم حقل التجارب.
وتفضلوا بقبول الاحترام والتقدير.
شيرين قسوس

























