اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. عطاالله الشرعة يكتب: التعليم في الاردن… نخطئ في التخطيط ثم نحمل ابناءنا الثمن

د. عطاالله الشرعة يكتب: التعليم في الاردن… نخطئ في التخطيط ثم نحمل ابناءنا الثمن
نبأ الأردن -
ما يحدث اليوم في ملف التعليم في الاردن لم يعد مجرد تعديل عابر على نظام التوجيهي او اجتهاد يمكن تجاوزه بل اصبح نموذجا واضحا للتخبط في صناعة القرار. نظام السنتين جاء وسط اسئلة واعتراضات كثيرة ثم تبعته تعديلات وقرارات ونقاشات حول الحقول ونسبة الثلاثين بالمئة حتى اصبح الطالب واسرته في حالة انتظار دائم لما سيصدر غدا. مستقبل جيل كامل لا يجوز ان يكون ساحة للتجربة والخطأ ولا يمكن بناء تعليم قوي بقرارات تتغير قبل ان يفهمها الطالب. المطلوب نظام واضح ومستقر وعادل يعرف الطالب قواعده منذ البداية لا ان يبدأ طريقه على قاعدة وينهيه على قاعدة اخرى.

والامر نفسه يتكرر في ملف الطب. لسنوات توسعنا في القبول وفتح البرامج وزيادة الاعداد دون ان يرافق ذلك توسع كاف ومدروس في المستشفيات الجامعية والتعليمية وفرص التدريب والاختصاص والتشغيل ثم اكتشفنا فجأة ان لدينا مشكلة في الاعداد وبدأنا نعالجها بتقليص المقاعد. والسؤال الذي يجب ان يطرح بصوت مرتفع هو من صنع هذه المشكلة؟ هل الطالب المتفوق الذي حلم بدراسة الطب هو المسؤول عن سياسات القبول السابقة؟ وهل يعقل ان يكون علاج اخطاء التخطيط باغلاق الابواب امام جيل جديد ودفع مئات الطلبة الى جامعات الخارج ومعهم ملايين الدنانير من اموال اسرهم؟

المشكلة الاكبر اننا ننظر الى الطبيب الاردني وكأنه عبء على سوق العمل بدلا من النظر اليه باعتباره ثروة وطنية يمكن بناء قطاع اقتصادي كامل حولها. لماذا لا نتوسع في بناء مستشفيات حكومية جديدة ومستشفيات للخدمات الطبية ومستشفيات جامعية ومراكز تخصصية كبرى في مختلف المحافظات؟ المواطن الاردني نفسه يعاني في كثير من المستشفيات من الاكتظاظ وطول الانتظار والضغط الكبير على الكوادر وتفاوت مستوى الخدمات بينما نتحدث في الوقت نفسه عن فائض متوقع من الاطباء. هذه مفارقة لا تحتاج الى خبير لشرحها. اذا كان لدينا اطباء ولدينا مرضى ولدينا ضغط على المستشفيات فالمشكلة ليست في عدد الاطباء بل في ضعف الاستثمار والتوسع والتخطيط الصحي طويل المدى.

والاردن الذي عرف تاريخيا بكفاءة اطبائه قادر على ان يتحول الى مركز طبي حقيقي في الشرق الاوسط ومحج للعلاج من الدول الشقيقة اذا تعاملنا مع الطب باعتباره استثمارا وطنيا لا مجرد تخصص جامعي. بناء مستشفيات حديثة ومراكز للقلب والاورام وزراعة الاعضاء والتأهيل والجراحات المتقدمة يعني فرص عمل للاطباء والممرضين والصيادلة والفنيين ويعني استثمارات جديدة ودخلا للاقتصاد وحركة للفنادق والنقل والخدمات ويعني قبل ذلك كله وقف هجرة الطبيب الاردني الذي ننفق سنوات طويلة على تعليمه ثم نقدمه جاهزا لدول اخرى. لماذا نصدر عقولنا ونستورد البطالة بينما نستطيع ان نستثمر في الانسان الاردني ونستقطب المرضى والاستثمارات والاموال الى داخل الوطن؟

المطلوب ليس فتح كليات الطب والقبول فيها بلا ضوابط ولا العودة الى التوسع العشوائي الذي اوصلنا الى المشكلة بل المطلوب ان نتوقف عن معالجة الخطأ بخطأ اكبر. اصلحوا نظام السنتين وثبتوا قواعده وانتهوا من دوامة القرارات ونسبة الثلاثين بالمئة والتعديلات المتلاحقة. اربطوا القبول الجامعي بخطة وطنية تمتد لعشرين عاما وابنوا المستشفيات ووسعوا التدريب والاختصاص واستثمروا في السياحة العلاجية وفي الطبيب الاردني قبل ان يفكر بالهجرة. لا تصادروا حلم الطالب ثم تطلبوا منه ان يبحث عنه خارج وطنه ولا تحملوا جيلا جديدا ثمن قرارات لم يكن شريكا فيها. فالاردن لا يعاني من كثرة العقول والكفاءات بقدر ما يعاني من غياب التخطيط الذي يعرف كيف يحول هذه العقول الى قوة للدولة واقتصادها ومستقبلها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions