عمر الدريني يكتب: المولد النبوي الشريف: من ذكرى إلى عهد
نبأ الأردن -
ليست المناسبات العظيمة في عدد السنين التي تعود فيها، وإنما في مقدار الأثر الذي تتركه فينا كلما عادت. فبعض المناسبات تمرّ على التقويم ثم تنتهي، بينما تفتح مناسبات أخرى أبوابًا للتأمل والمراجعة، وتدعونا إلى أن نسأل أنفسنا عمّا تغيّر فينا، وما الذي يمكن أن نبدأ به من جديد.
والمولد النبوي الشريف واحد من تلك المناسبات التي تستحق أن نتوقف عندها، لا لنستعيد حدثًا تاريخيًا فحسب، بل لنراجع علاقتنا بالقيم التي جاء بها النبي محمد ﷺ، وأن ننظر إلى سيرته باعتبارها مدرسة متجددة في الأخلاق والرحمة والعدل والمسؤولية.
فما قيمة أن نتحدث عن الصدق إذا كنا نمارس غيره؟ وما قيمة أن نرفع شعار الرحمة إذا كانت قلوبنا تضيق بالآخرين؟ وما قيمة أن نعلن حب النبي ﷺ إذا لم يظهر ذلك الحب في سلوكنا، وفي كلماتنا، وفي الطريقة التي نعامل بها من حولنا؟
إن محبة النبي ﷺ ليست مجرد عاطفة جميلة تسكن القلب، وإنما مسؤولية تترجمها الأفعال، فحين نصدق في حديثنا، ونحفظ الأمانة، ونرحم الضعيف، وننصف من نختلف معه، ونعفو حين يكون العفو إصلاحًا، فإننا نجعل من القيم النبوية حضورًا حيًا في حياتنا.
ولذلك فإن أجمل احتفاء بالمولد أن يتحول إلى عهد: عهد بالصدق، وعهد بالأمانة، وعهد بالرحمة، وعهد بأن نكون أفضل في تعاملنا مع أهلنا وأبنائنا وزملائنا وجيراننا وكل من تجمعنا بهم الحياة.
ولعل أجمل ما في هذا العهد أنه لا يحتاج إلى أعمال عظيمة حتى يبدأ؛ فقد يبدأ بكلمة طيبة، أو اعتذار صادق، أو مساعدة محتاج، أو إنصاف إنسان، أو كفّ أذى، أو قرار نتخذه بأن نكون أكثر لطفًا وعدلًا ورحمة.
وهكذا يصبح المولد بدايةً لا نهاية، وحياةً للقيم لا مجرد ذكرى، وفرصة لأن ننتقل من الحديث عن السيرة إلى الاقتداء بها، ومن الإعجاب بالأخلاق إلى ممارستها.
فكل عام يعود فيه المولد النبوي الشريف يمكن أن يكون موعدًا جديدًا مع أنفسنا؛ نراجع فيه ما مضى، ونصحح ما أخطأنا، ونجدد العهد بأن نترك في حياة الآخرين أثرًا طيبًا.
إن أعظم ما يمكن أن يبقى من هذه الذكرى ليس عدد الكلمات التي قيلت فيها، وإنما إنسان أصبح أكثر صدقًا، وقلب أصبح أكثر رحمة، ويد أصبحت أكثر عطاءً، وموقف أصبح أكثر عدلًا.
يا مولدَ الهادي أعدْ فينا الهدى
وأيقظْ من الأخلاقِ ما قد غابا
فالحبُّ ليس قصيدةً نرويها
بل أن نعيشَ من الهدى أسبابا

























