الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم يكتب: حين وُلدت الرحمة… تغيّر معنى الإنسان
نبأ الأردن -
ليست ذكرى المولد النبوي الشريف مناسبة عابرة في الذاكرة، ولا تاريخاً نستحضره كل عام ثم نمضي. إنها ذكرى ميلاد رسالة أحدثت تحولاً عميقاً في نظرة الإنسان إلى نفسه، وإلى أخيه الإنسان، وإلى العلم والمال والسلطة والعدل والحياة.
وُلد سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، في عالم لم يكن يفتقر إلى التجارة أو الشعر أو القوة، لكنه كان يعاني اختلالاً كبيراً في ميزان القيم. كانت العصبية تمنح الإنسان مكانته وفق قبيلته، والعبودية تسلب آخر حريته، والمرأة تعاني صوراً قاسية من الانتقاص، والفقير قد يبقى خارج دائرة الحماية، والثأر يستطيع أن يمتد جيلاً بعد جيل. وكانت القوة، في كثير من الأحيان، هي التي تحدد الحق.
ثم جاءت الرسالة بسؤال مختلف تماماً: ما قيمة الإنسان؟
وكان الجواب حاسماً. الإنسان مكرّم لكونه إنساناً: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. لا لون يمنح صاحبه امتيازاً أخلاقياً، ولا نسب يرفع إنساناً فوق آخر، ولا مال يجعل صاحبه أكثر استحقاقاً للكرامة. وجاء الإعلان النبوي واضحاً في رفض العصبية والتمييز، لتصبح التقوى والعمل الصالح أساس التفاضل، بدلاً من العرق والقبيلة والطبقة.
ولعل من أكثر الدلالات قوة أن أول كلمة في الوحي كانت: ﴿اقْرَأْ﴾.
لم تبدأ الرسالة بأمر يتعلق بالسلطة أو المال أو القوة، بل بدأت بالمعرفة. وفي ذلك تأسيس مبكر لمجتمع لا يستطيع النهوض بالجهل. فالإنسان الذي يقرأ ويفكر ويتعلم يصبح أقدر على معرفة حقوقه وواجباته، وأقدر على إعمار الأرض ومواجهة الفقر والتخلف.
لكن التحول لم يكن معرفياً وحده.
لقد أعادت الرسالة النبوية تعريف القوة ذاتها. فالقوة لم تعد قدرة القوي على إخضاع الضعيف، وإنما مسؤوليته عن حمايته. والحكم لم يعد امتيازاً، بل أمانة. والمال لم يعد حقاً منفصلاً عن المجتمع، بل ملكية مشروعة تحيط بها مسؤولية أخلاقية واجتماعية.
وهنا تظهر واحدة من أكثر جوانب الرسالة النبوية ارتباطاً بأسئلة عصرنا: العدالة الاقتصادية.
فالإسلام لم يحارب الغنى، ولم يجعل الفقر فضيلة ينبغي للإنسان الاستسلام لها. أقر الملكية والعمل والتجارة والكسب، لكنه وضع منظومة تمنع تحول المال إلى أداة للاستغلال والاحتكار والإقصاء. فرض الزكاة حقاً معلوماً، وحث على الصدقة والوقف، وحمى حقوق العامل، وشدد على الوفاء بالعقود، ونهى عن الغش والاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل.
إنها رؤية تقوم على التوازن: اقتصاد ينتج الثروة، ومجتمع لا يترك الضعيف وحيداً أمام الحاجة.
وهذا المعنى يستحق أن نتوقف عنده اليوم. فما قيمة نمو اقتصادي لا يشعر به الفقير؟ وما قيمة ازدهار تتسع معه الفوارق حتى يصبح التعليم الجيد والعلاج والعمل الكريم امتيازات لا يستطيع الوصول إليها الجميع؟ وما قيمة الأرقام إذا بقي الإنسان خارج حساباتها؟
الرسالة النبوية لم تقدم الفقر باعتباره قدراً اجتماعياً دائماً، بل جعلت إطعام الجائع وكفالة اليتيم ومساعدة المحتاج وفك الرقاب من صميم المسؤولية الدينية والأخلاقية. وربطت الإيمان بالسلوك تجاه الإنسان، حتى أصبح المجتمع مسؤولاً عن أضعف أفراده.
والأكثر أهمية أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يكتف بإعلان هذه المبادئ، بل عمل على بناء مجتمع يحاول تجسيدها. آخى بين الناس، ورسخ المسؤولية الاجتماعية، ونظم الحقوق والواجبات، وأقام العلاقات على العهود، وجعل العدل قيمة لا تتغير باختلاف الأشخاص.
لهذا فإن الاحتفاء الحقيقي بالمولد النبوي لا ينبغي أن يتوقف عند الكلمات والاحتفالات. السؤال الأهم هو: كم بقي من سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، في سلوكنا؟
هل نحن رحماء عندما نختلف؟
هل نرفض العصبية عندما تتعارض مع مصالحنا؟
هل نحترم الإنسان الذي يختلف معنا في الرأي أو الأصل أو المكانة الاجتماعية؟
هل نؤدي عملنا بإتقان؟ هل نحارب الفساد؟ هل نحفظ حقوق العامل؟ هل نطعم الجائع ونحمي اليتيم ونفتح أبواب التعليم والعمل أمام الشباب؟
هذه هي الأسئلة التي تجعل الذكرى حية.
بعد أكثر من أربعة عشر قرناً، ما زال العالم يمتلك ثروة ومعرفة وتقنية لم تعرفها البشرية من قبل، ومع ذلك ما زالت الحروب والجوع والفقر والعنصرية والتمييز والظلم قائمة بأشكال مختلفة. وربما لهذا تبدو رسالة المولد النبوي شديدة الحضور في زمننا.
لقد جاء سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، برسالة أعادت للإنسان قيمته، وللعلم مكانته، وللرحمة معناها، وللمال مسؤوليته، وللسلطة حدودها، وللعدل ضرورته.
وفي ذكرى مولده الشريف، لا نحتاج فقط إلى أن نتحدث عن النور الذي أشرق قبل قرون، بل أن نسأل أنفسنا كيف نجعل شيئاً من ذلك النور حاضراً في مدارسنا وجامعاتنا وأسواقنا ومؤسساتنا وقراراتنا وعلاقاتنا اليومية.
فأجمل احتفاء برسول الرحمة أن تتحول سيرته من ذكرى نرويها، إلى قيمة نعيشها، وعدل نقيمه، وعلم ننشره، وجائع نطعمه، ومظلوم ننصفه، وإنسان نحفظ كرامته.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، الذي جاء رحمة للعالمين، وعلّم البشرية أن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، وأن العدل أساس العمران، وأن الرحمة لا تكتمل حتى تصل إلى أضعف الناس.

























