د. محمد الجبور يكتب : السلم المجتمعي... أساس الأمن والاستقرار وبناء المستقبل
نبأ الأردن -
لم يعد السلم المجتمعي مفهوماً يرتبط فقط بغياب الصراعات أو العنف، بل أصبح معياراً حقيقياً لمدى قوة الدولة وتماسك المجتمع وقدرته على مواجهة الأزمات والتحديات. فالمجتمع الآمن ليس هو الذي يخلو من الاختلاف، وإنما هو المجتمع الذي يمتلك القدرة على إدارة الاختلاف بالحوار والقانون، بعيداً عن العنف والكراهية والإقصاء.
السلم المجتمعي يبدأ من احترام الإنسان للإنسان، ومن الإيمان بأن الاختلاف في الرأي أو الفكر أو الموقف لا يجب أن يتحول إلى خصومة أو عداء. وعندما يصبح الحوار ثقافة عامة، وتتراجع لغة التخوين والتشهير والتحريض، يصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه من الانقسام والتفكك.
وللسلم المجتمعي أثر مباشر على الأمن الوطني؛ فكلما ارتفع مستوى التماسك الاجتماعي، تراجعت فرص انتشار العنف والتطرف والجريمة وخطاب الكراهية. كما أن المجتمع المتماسك يكون أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات، لأن أفراده يشعرون بأنهم شركاء في المسؤولية، وأن الدولة ومؤسساتها تعمل لخدمة الجميع ضمن إطار القانون.
لكن لا يمكن الحديث عن سلم مجتمعي حقيقي من دون الحديث عن العدالة وتكافؤ الفرص. فالإحساس بالظلم أو التهميش أو غياب العدالة قد يولد حالة من الاحتقان الاجتماعي، بينما تؤدي سيادة القانون والشفافية والمساءلة إلى تعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني. فبناء السلم المجتمعي لا يبدأ من الأجهزة الرسمية فقط، وإنما يبدأ من تربية الطفل على احترام الآخر، وتعليم الشباب ثقافة الحوار، وتشجيع المبادرات التي تجمع أبناء المجتمع حول العمل والعطاء، بعيداً عن التعصب والانقسام.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت سلاحاً ذا حدين؛ فقد تكون مساحة للحوار والتوعية والتقارب، لكنها قد تتحول إلى منصة لنشر الشائعات والتحريض وخطاب الكراهية. ولذلك فإن المسؤولية الرقمية أصبحت جزءاً أساسياً من المسؤولية المجتمعية، ويجب أن يدرك كل فرد أن ما ينشره قد يؤثر في أمن المجتمع واستقراره.
إن السلم المجتمعي لا يعني أن نتفق جميعاً، بل يعني أن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء، وأن نحتكم إلى القانون بدلاً من القوة، وإلى الحوار بدلاً من الإقصاء، وإلى المصلحة الوطنية بدلاً من المصالح الضيقة.
وفي الأردن، كما في أي مجتمع، فإن الحفاظ على السلم المجتمعي يمثل مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب تعزيز الثقة، واحترام القانون، ومحاربة خطاب الكراهية، وفتح قنوات الحوار، ودعم مؤسسات المجتمع المدني التي تعمل على نشر الوعي وتعزيز قيم المواطنة.
وفي النهاية، فإن الأمن الحقيقي لا يُبنى فقط بالقوانين والإجراءات الأمنية، وإنما يُبنى أيضاً بمجتمع متماسك يشعر أفراده بالعدالة والكرامة والانتماء.
فالسلم المجتمعي ليس مجرد شعار نرفعه، بل ممارسة يومية وسلوك وطني. وكل كلمة مسؤولة، وكل موقف يحترم الآخر، وكل مبادرة تجمع ولا تفرق، هي لبنة جديدة في بناء مجتمع أكثر أمناً واستقراراً وقدرة على صناعة المستقبل.
د. محمد الجبور
كاتب وباحث

























