موفق جباعتة يكتب: أبناؤنا ليسوا حقل تجارب يا معالي الوزير
نبأ الأردن -
لسنا ضد التطوير، ولسنا ضد تحديث منظومة التعليم، ولسنا من أولئك الذين يرفضون كل جديد لمجرد أنه جديد. بل على العكس، نحن نريد تعليمًا أكثر عدلًا ومرونة، وتعليمًا يكتشف قدرات أبنائنا وميولهم ويمنحهم فرصة حقيقية لصناعة مستقبلهم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبصوت مرتفع: هل أبناؤنا هم المكان المناسب لتجريب الأنظمة التعليمية قبل التأكد من جاهزيتها؟
انتقلنا في المرحلة الثانوية من النظام التقليدي القائم على الفرعين العلمي والأدبي إلى نظام الحقول والمسارات التعليمية، وقيل لنا إن الهدف من هذا التغيير هو منح الطالب مساحة أكبر لاختيار ما يتناسب مع قدراته وميوله وطموحاته، وأن الطالب لن يكون أسيرًا لمسار واحد لا يناسبه.
فكرة جميلة على الورق… ولكن ماذا حدث على أرض الواقع؟
بدأت معاناة الطلبة وأولياء أمورهم عندما أصبح اختيار الحقل مرتبطًا، في حالات كثيرة، بالشواغر المتاحة في المدارس وبمعدلات الطالب في الصفين العاشر والأول الثانوي.
وهنا تحولت الفكرة من "اختيار الطالب لمساره" إلى سؤال مختلف تمامًا:
أين توجد الشاغر؟ وأين أستطيع أن أسجل؟
طالب يرى نفسه في الحقل الصحي، فيجد أن المدرسة التي يدرس فيها لا تملك شواغر كافية في هذا الحقل. فيبدأ رحلة البحث عن مدرسة أخرى، وقد يضطر إلى الانتقال إلى مدرسة بعيدة، أو إلى مدرسة أقل إقبالًا، فقط لأنه يريد أن يدرس الحقل الذي يعتقد أنه يناسب مستقبله.
والأمر لم يتوقف عند المدارس الحكومية.
حتى بعض المدارس الخاصة التي تضم طلبة متميزين فوجئت بانسحاب عدد من طلابها وانتقالهم إلى مدارس حكومية، ليس لأن المدرسة الخاصة سيئة، ولا لأن الطالب لا يرغب بها، وإنما لأن الطالب يبحث عن حقل تعليمي معين يتوافق مع ميوله وطموحه.
فهل هذا هو النظام الذي أردناه؟
هل أصبح الطالب يختار مدرسته بناءً على الحقل المتاح، بدل أن يختار الحقل بناءً على قدراته وميوله؟
والأخطر من ذلك، أن هناك مدارس ومديريات تربية تواجه نسبًا محددة ومفروضة للحقول، مثل تخصيص نسبة معينة للحقل الصحي وأخرى للهندسي، الأمر الذي قد يؤدي في النهاية إلى دفع بعض الطلبة نحو حقول لا يرغبون فيها، فقط لأن النظام يفرض توزيعًا معينًا.
وهنا أقولها بكل صراحة: يا معالي الوزير، أبناؤنا ليسوا أرقامًا في جداول، وليسوا نسبًا مئوية نوزعها بين الحقول، وليسوا حقل تجارب لنكتشف بعد سنوات أين أخطأنا.
الطالب الذي يبلغ السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمره لا يزال في مرحلة اكتشاف ذاته. قد يكون متفوقًا في مادة، ولديه ميول في مجال آخر، وقد يكتشف شغفه الحقيقي متأخرًا. ومن غير المنطقي أن نغلق أمامه بابًا لأنه لم يحصل على المعدل المطلوب، أو لأن المدرسة التي يدرس فيها لا يوجد فيها شاغر، أو لأن النسبة المقررة لهذا الحقل قد اكتملت.
التطوير الحقيقي لا يعني أن نضع الطالب داخل المسار الذي يناسب النظام، بل أن نصمم النظام ليخدم الطالب.
يا معالي الوزير، هل نزلتم إلى الميدان؟
هل استمعتم إلى الطالب الذي اضطر إلى البحث عن مدرسة أخرى حتى يدرس الحقل الذي يريده؟
هل سألتم ولي الأمر الذي أصبح محتارًا بين بقاء ابنه في مدرسته وبين مستقبله الأكاديمي؟
هل شاهدتم طالبًا متفوقًا يترك مدرسة خاصة لأنه لم يجد فيها الحقل الذي يريده؟
هذه ليست أرقامًا في تقرير إداري.
هذه قصص أبنائنا ومستقبلهم.
والحل ليس مستحيلًا.
يمكن أن نمنح الطالب الذي لم يحالفه الحظ في الحصول على المسار الذي يريده فرصة ثانية من خلال فصل دراسي استدراكي في الجامعات، وفق ضوابط واضحة، لمن لم يتمكن من الحصول على المقعد الجامعي الذي يتناسب مع الحقل الذي درسه في الثانوية العامة.
بهذا نمنح الطالب فرصة لتصحيح المسار بدل أن نحكم على مستقبله بقرار اتُخذ في مرحلة عمرية مبكرة.
التعليم ليس مسابقة في سرعة تطبيق الأنظمة، ولا نجاح الإصلاح يقاس بعدد القرارات الجديدة التي تصدر.
الإصلاح الحقيقي يقاس بعدد الطلبة الذين يشعرون أن النظام أنصفهم، وبعدد الأحلام التي فتحنا لها الأبواب، لا بعدد المسارات التي أغلقناها أمام أصحابها.
يا معالي الوزير…
نحن لا نطلب المستحيل.
نطلب فقط أن يكون الطالب أولًا.
أن تكون قدراته وميوله وطموحاته هي الأساس، لا الشاغر، ولا النسبة، ولا جدول التوزيع.
فإذا كان الهدف من الحقول والمسارات هو إعطاء الطالب حرية الاختيار، فلا تجعلوا هذه الحرية مجرد عنوان جميل في وثيقة رسمية.
أعطوا أبناءنا حق اختيار مستقبلهم.
فهم ليسوا حقل تجارب…
إنهم مستقبل وطن بأكمله.

















