اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

شيرين قسوس تكتب : حين تصبح الوصاية فقرًا في الفكر

شيرين قسوس تكتب : حين تصبح الوصاية فقرًا في الفكر
نبأ الأردن -
هذا المقال لا ينتصر للفكرة التي يدافع عنها بقدر ما يكشف مأزقًا فكريًا أعمق: أي مجرد تعليق على ما كتبه د. العكور بعنوان (وجَبَ على الشعب الأردني أن " يتفّ بوجهك" أنت) …. وانا لا اعرف من الرجل الذي يقصده بمقاله.

حين يعجز صاحب الموقف عن مواجهة الفكرة بالحجة، يلجأ إلى تشويه صاحبها، وحين تضيق مساحة البرهان تتسع مساحة الشتيمة. الاختلاف مع الدكتور محمد علي العكور حق مشروع، ونقد أفكاره حق لا جدال فيه، وكذلك اي شخص آخر، لكن تحويل النقد إلى سيل من الإهانات والتوصيفات الشخصية لا يصنع موقفًا أقوى، بل يكشف عن عجز واضح في أدوات الحوار.

فالمقال يبدأ بادعاء الدفاع عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يغرق في قاموس من الإهانات والتجريح، وكأن ارتفاع نبرة الغضب يمكن أن يعوض غياب الحجة. إذا كانت هناك رواية محرّفة أو حديث مكذوب، فمكان الرد هو النص والمصدر والدليل، لا الشتيمة والتشهير. أما تحويل الخلاف الفكري إلى أوصاف من قبيل "نكرة" و"سفيه" و"هدّام وخبيث"، فليس قوة في الموقف، بل إفلاس في أدوات النقاش.

والأشد غرابة أن خطابًا يدّعي الدفاع عن مقام النبي لا يستطيع أن يحافظ على الحد الأدنى من أدب الاختلاف. فالمقدس لا يحتاج إلى لغة سوقية كي يُدافع عنه، ومن يرفع راية الأخلاق يفترض أن يكون أول من يلتزم بها. لا يمكن أن تصبح الإساءة مقبولة لمجرد أنها قيلت باسم الغيرة على الدين.

لكن الإشكال الأكبر يظهر في النظرة إلى المرأة والانفتاح. فهناك عقلية تختزل كل حديث عن حقوق المرأة في التمرد على الرجل، وكل انفتاح في الجنس والتعري والاختلاط، وكل حديث عن الحرية في الانحلال، وكل فكرة قادمة من الغرب في مؤامرة على الأسرة. وهذا ليس عمقًا في التفكير، بل فقر في الخيال الاجتماعي.

ليس كل انفتاح جنسيًا، وليس كل اختلاط انحلالًا، وليس كل حديث عن حقوق المرأة حربًا على الرجل، وليس كل تغيير اجتماعي هدمًا للأسرة. الانفتاح قد يكون معرفة وحوارًا وتعليمًا ومشاركة ووعيًا وحقًا في الاختيار. أما اختزال كل ذلك في الجسد والجنس، فهو يكشف عن نظرة ضيقة إلى المجتمع قبل أن يكشف عن خطورة الانفتاح نفسه.

والمفارقة أن الخطاب الذي يزعم الدفاع عن المرأة يعاملها أحيانًا كأنها كائن عاجز عن التفكير، قابل للخداع بمجرد أن يسمع حديثًا عن حقوقه. المرأة ليست قاصرًا فكريًا يحتاج إلى وصي، ولا تحتاج إلى من يقرر عنها من تستمع إليه وما الذي تؤمن به. إذا كانت هناك أفكار خاطئة، فلتُهزم بالحجة، لا بمصادرة عقل من يسمعها.

أما الأسرة فلا تُحمى بتخويف المرأة من الوعي، ولا باعتبار كل مطالبة بحق تهديدًا للرجل. الأسرة القوية تقوم على المودة والاحترام والمسؤولية، لا على جهل أحد طرفيها أو خوفه. الأسرة التي تنهار أمام وعي المرأة ليست قوية أصلًا، وإنما كانت قائمة على اختلال لا يريد أحد الاعتراف به.

والقول إن حقوق المرأة "مستوردة من الغرب" ليس حجة. الأفكار لا تُقاس بجواز سفرها؛ فالعدل والكرامة واحترام الإنسان ليست شرقية ولا غربية. وإذا كانت هناك أفكار نسوية مرفوضة دينيًا أو اجتماعيًا، فلتُناقش فكرة بفكرة، لا أن تُرمى كلها في سلة واحدة ثم تُدان بكلمة "الغرب".

ثم إن استدعاء الدين في مثل هذه المعارك يحتاج إلى مسؤولية أكبر. هناك فرق بين النص الديني وبين تفسيره، وبين المقدس وبين القراءة البشرية للمقدس، وبين الدفاع عن الدين وبين استخدام الدين لإضفاء حصانة أخلاقية على موقف اجتماعي قابل للنقاش. أخطر ما يمكن فعله هو تحويل الاختلاف في الرأي إلى معركة بين "الإيمان" و"الانحلال"، لأن ذلك يلغي العقل قبل أن يبدأ الحوار.

وحين يصدر هذا النوع من الخطاب عن شخصيات عامة، فإن المسؤولية تصبح أكبر. النائب والفنان، بحكم موقعهما وتأثيرهما، يفترض أن يقدما نموذجًا أرقى في الثقافة والحوار، لا أن يختزلا النقاش العام في التجريح والتخوين والتخويف. الفن تحديدًا يفترض أن يوسّع رؤية الإنسان، لا أن يحشر المجتمع في ثنائية ضيقة بين الفضيلة والانحلال.

المشكلة إذن ليست في المحافظة ولا في التدين ولا في الدفاع عن الأسرة، وإنما في تحويل هذه القيم إلى وصاية على عقول الناس. حين تصبح الشتيمة بديلًا عن الدليل، والتخوين بديلًا عن النقاش، والخوف بديلًا عن الفهم، تتحول المحافظة من قيمة إلى قيد، ويتحول الدفاع عن الأخلاق إلى ممارسة للوصاية.

والتساؤل الذي يفرض نفسه: إذا كان كل حديث عن حرية المرأة وحقوقها وانفتاح المجتمع يُختزل في الجنس والتعري والاختلاط، فهل المشكلة فعلًا في هذا الانفتاح، أم في النظرة التي لا تستطيع أن ترى المرأة والمجتمع خارج هذه الثلاثية؟

الفكر القوي لا يحتاج إلى تحقير خصمه، والدين لا يحتاج إلى فظاظة كي يُصان، والأسرة لا تحتاج إلى جهل المرأة كي تستمر. أما المجتمع الذي يرى في كل سؤال خطرًا، وفي كل انفتاح انحلالًا، وفي كل حق مؤامرة، فهو لا يحمي قيمه بقدر ما يكشف عن خوفه منها.

الفكرة التي لا تستطيع أن تقف إلا فوق خصمها، غالبًا لا تملك من القوة ما يكفي لتقف وحدها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions