د أمجد الفاهوم يكتب: حين تصبح الكاريزما عبئاً على أصحاب النفوس الضيقة
نبأ الأردن -
ليست كل الشخصيات التي تترك أثراً في الناس قد خططت لذلك، ولا كل من امتلك حضوراً لافتاً سعى إلى الأضواء. هناك أشخاص تصنعهم سنوات العمل، وتمنحهم التجربة ثقة هادئة، ويمنحهم الإنجاز حضوراً لا يحتاج إلى إعلان. وحين تجتمع الكفاءة مع الالتزام والقدرة على التأثير، تتشكل تلك الشخصية التي نصفها عادة بـ«الكاريزمية».
لكن الكاريزما الحقيقية ليست صوتاً مرتفعاً، ولا استعراضاً، ولا سعياً دائماً للظهور. قد تكون في شخص يصل إلى عمله قبل الآخرين، ويغادر بعدهم، يراجع التفاصيل، ويتابع ما بدأه حتى نهايته، ويتحمل مسؤولية القرار ونتائجه. وقد تكون في مسؤول يعرف أن المنصب مؤقت، بينما الأثر الذي يتركه في المؤسسة والناس هو ما يبقى.
المشكلة أن النجاح لا يُقرأ بالطريقة ذاتها من الجميع. فما يراه المخلصون اجتهاداً، قد يراه آخرون تهديداً. وما يراه الناس حضوراً، يفسره البعض بحثاً عن الشهرة. وما يراه فريق العمل سرعة في الإنجاز، يحاول آخرون تصويره استئثاراً أو تفرداً. وهنا تبدأ واحدة من أكثر الظواهر إيلاماً في بيئات العمل: حين يعجز البعض عن منافسة الإنجاز بالإنجاز، فيبحث عن ثغرة في صاحبه. فتبدأ الحكايات الصغيرة. كلمة تُنتزع من سياقها، وموقف يُفسر بأسوأ الاحتمالات، وخطأ عابر يُضخّم، وإشاعة تجد من ينقلها قبل أن يسأل عن حقيقتها. وقد يصل الأمر إلى محاولة النيل من السمعة الشخصية والمهنية، وكأن سنوات العمل يمكن محوها بجملة، أو كأن سجلاً من الإنجاز يمكن إسقاطه بمنشور أو مجلس عابر.
هذه الممارسات لا تسيء إلى الشخص المستهدف وحده، بل تضرب ثقافة المؤسسة نفسها. فعندما يشعر المجتهد بأن إنجازه سيجلب له الخصومة أكثر مما يجلب التقدير، وحين يرى الموظف أن المتقن يتعرض للتشويه بينما يختبئ المقصر خلف الكلام، فإن الرسالة التي تصل إلى الجميع تصبح خطيرة: لا تعمل كثيراً حتى لا تصبح هدفاً.
وهنا تظهر قيمة الشخصية الواثقة من رسالتها. فهي لا تستطيع أن تهدر وقتها في ملاحقة كل إشاعة، ولا أن تفتح معركة مع كل صاحب إساءة، ولا أن تجعل الدفاع عن نفسها مشروعها اليومي. لديها عمل يجب أن يُنجز، ومسؤولية يجب أن تُحمل، وهدف أكبر من الدخول في سجالات صغيرة تستنزف الوقت والطاقة.
وهذا لا يعني الصمت أمام الافتراء، فالسمعة المهنية حق، والتجاوز الذي يمس الكرامة أو يختلق الوقائع يستوجب موقفاً واضحاً ومهنياً، وربما قانونياً عندما يتطلب الأمر. لكن هناك فرقاً كبيراً بين حماية السمعة وبين تحويل الحياة إلى سلسلة من الردود.
أقوى رد على كثير من محاولات التشويه هو استمرار السيرة ذاتها: مزيد من العمل، ومزيد من الإتقان، ومزيد من النتائج التي يستطيع الناس رؤيتها وقياسها. فالزمن يمتلك ذاكرة أدق مما نتصور. قد تنجح الإشاعة لساعات أو أيام، لكن الناس في النهاية تقارن بين ما قيل وما رأت، وبين الكلام والسلوك، وبين الادعاء والإنجاز. والسمعة التي بنيت على سنوات من العمل لا تسقط بسهولة أمام محاولات عابرة، خصوصاً عندما يكون صاحبها ثابتاً في أخلاقه وأدائه.
ولعل الخطأ الأكبر الذي قد يقع فيه الإنسان الناجح هو أن يسمح للمسيئين بتغيير طبيعته. أن يصبح متردداً بعد أن كان مبادراً، أو خائفاً من القرار بعد أن كان شجاعاً، أو منشغلاً بتفسير كل خطوة بدلاً من إنجاز الخطوة التالية. عندها يكون التشويه قد حقق غايته حتى لو لم يصدقه أحد. لذلك يمضي أصحاب الرسالة. يمضون لأن الوقت أثمن من أن يُهدر في معارك جانبية. يعملون لأن العمل هو لغتهم التي يعرفونها. يتقنون لأن الإتقان قيمة قبل أن يكون وسيلة للنجاح. يراجعون أنفسهم حين يخطئون، ويصححون مسارهم حين يلزم، لكنهم لا يمنحون أصحاب النفوس الضيقة حق تحديد اتجاههم.
ويبقى في داخلهم يقين لا تمنحه المناصب ولا تصنعه الشهرة: أن الإنسان يبذل ما يستطيع، وأن النيات يعلمها الله، وأن الحفظ والتوفيق والبركة منه سبحانه. قد يضع البعض الحجارة في الطريق، وقد ينسج آخرون القصص، وقد يحاولون إطفاء حضور لم يستطيعوا مجاراته. لكن صاحب الرسالة لا يحتاج إلى الانتصار في كل جدال. يكفيه أن يظل واقفاً أمام ضميره، مخلصاً لعمله، نظيف اليد واللسان، وأن يواصل طريقه مطمئناً إلى أن «إن الله يدافع عن الذين آمنوا».
وفي النهاية، لا يبقى من الضجيج إلا صداه العابر، أما العمل المتقن، والسيرة الطيبة، والأثر الذي تركه الإنسان في مؤسسته ومجتمعه، فهي التي تكتب الحكم الأخير.

























