وائل منسي يكتب: من الحزب إلى الحركة: لماذا تحتاج الدولة إلى تغيير نهجها السياسي؟
نبأ الأردن -
تكشف تجربة التحديث السياسي في الأردن مفارقة أساسية: جرى تحديث الهياكل أكثر مما جرى تحديث العقل السياسي. فتأسست أحزاب كثيرة بهياكل تقليدية ومحتوى ضعيف، وأعيد تدوير شخصيات قديمة، ودُفع رجال أعمال وتكنوقراط إلى الواجهة، بينما بقيت السياسة في كثير من الأحيان بعيدة عن المجتمع وقضاياه. والنتيجة أن التعدد الحزبي لم يتحول بعد إلى ثقة سياسية أو تمثيل اجتماعي حقيقي.
وهنا تكمن المفارقة الأخرى: في الوقت الذي تعاني فيه الأحزاب التقليدية من ضعف الثقة والتأثير، أثبتت الانتخابات الأخيرة أن الإسلاميين ما زالوا الأكثر قدرة على التنظيم والتعبئة والحصول على الأصوات والمقاعد، بما يفرض على الدولة قراءة صعودهم باعتباره ظاهرة سياسية واجتماعية لا مجرد تحدٍّ أمني أو انتخابي.
وفي المقابل، أخفق اليسار والأحزاب الديمقراطية الاجتماعية (بعضها مدعي) في تحويل أفكارها وهويتها الواضحة إلى قوة مجتمعية؛ ليس بالضرورة لغياب الفكرة، بل بسبب التشتت والشخصنة والمزاجية والصراعات الداخلية التي استنزفت قدرتها على التراكم والتحول إلى بديل مقنع.
لكن المشكلة لا تتوقف عند الأحزاب.
فالعالم نفسه يشهد انتقالاً تدريجياً من السياسة التي تقودها التنظيمات المغلقة إلى السياسة التي تصنعها الحركات الاجتماعية والتيارات الديمقراطية والشبكات المجتمعية: قوى تنشأ من قضايا الناس، وتكتسب شرعيتها من حضورها بينهم، وتكبر بالتراكم لا بالقرارات التنظيمية.
وهذا التحول بدأت له مؤشرات في الأردن أيضاً؛ فقضايا مثل أراضي الأغوار الجنوبية، وتجارب ناشطين وقيادات مجتمعية مثل نبيله الحشوش، تكشف أن المجتمع يستطيع إنتاج أدوات وقيادات وتأثير سياسي خارج القوالب الحزبية التقليدية.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الدولة ليس كيف تمنع هذه الحركات أو تحتويها، بل كيف تعيد تعريف علاقتها بالمجتمع.
الدولة التي تريد تحديثاً سياسياً حقيقياً تحتاج إلى الانتقال من إدارة السياسة إلى تمكينها، ومن احتواء المجتمع إلى الشراكة معه، ومن الخوف من الحركات الاجتماعية إلى الاستثمار في قدرتها على حل المشكلات وبناء الثقة.
فالتيارات الديمقراطية والحركات الاجتماعية الجديدة قد لا تكون منافساً للدولة، بل فرصة لها: لأنها تعمل حيث تبدأ السياسة الحقيقية مع الناس، في مناطقهم، حول قضاياهم، وبأدوات أكثر مرونة من الحزب التقليدي.
ومن هنا، ربما لا يحتاج الأردن إلى المزيد من الأحزاب بالصيغة القديمة بقدر ما يحتاج إلى تغيير منهجية الدولة نفسها: أن ترى المجتمع مصدراً للسياسة لا موضوعاً لإدارتها، وأن تسمح بتراكم المبادرات والقيادات والخبرات على الأرض.
فالانتقال من الحزب إلى الحركة ليس هروباً من التحديث السياسي؛ بل قد يكون الطريق إلى إنقاذه. والتحديث الحقيقي لا يبدأ بتغيير شكل المؤسسات، بل بتغيير العقل الذي يدير العلاقة بين الدولة والمجتمع.

























