م مدحت الخطيب يكتب: هل نحن بحاجة إلى إنقاذ صندوق تقاعد نقابة المهندسين … أم إغراق باقي الصناديق؟؟؟
نبأ الأردن -
أوصت الهيئة المركزية لنقابة المهندسين( برلمان النقابة) كما يحلو للبعض أن يسميها بالموافقة على التعديلات المقدمة من مجلس النقابة كما هي، ومن بينها موضوع الدمغة الهندسية والفصل بين صناديق النقابة
وهنا، وبعيداً عن الحسابات الانتخابية، وبعيداً عن الأشخاص والاصطفافات، أجد نفسي مضطراً إلى قول كلمة أراها واجباً مهنياً وأخلاقياً ووطنياً، رغم ابتعادي عن المشهد النقابي منذ فترة، شأنِي شأن كثير من الزملاء النقابيين الذين ابتعدوا ((أو أُبعدوا)) عن المشهد، وأصبحوا يتابعون ما يجري من بعيد، بحزن أكثر مما يتابعونه باهتمام
أنا لا أكتب اليوم دفاعاً عن مجلس، ولا هجوماً على مجلس أو زملاء لهم رأي أخر ، ولا بحثاً عن موقع أو دور نقابي حالي.. فلقد انتهى زمن المواقع التطوعي الخدمي والانتخابي بالنسبة لي بعندما أصبح المشهد انتخابيا يدار من الغرف المغلقة والتحالفات المبهمة ،والمصالح المشتركة لكن لم ينتهِ واجبي تجاه مؤسسة أمضيت فيها أكثر من عشرين عاماً من عمري منتخبا ومتطوعا ومستقلا ومحبا للجميع
ولعلي كنت من أكثر الذين تحدثوا، في الإعلام وفي الهيئات النقابية، عن واقع صندوق التقاعد ومخاطره، حتى اتُّهمت في يوم من الأيام بأنني أستخدمت قضية الصندوق لأغراض انتخابية عندما كنت مرشحاً لمجلس النقابة عام 2015
واليوم، وبعد أن أثبتت الأيام أن ما حذرت منه لم يكن مزايدة ولا ورقة انتخابية، أقولها بكل وضوح: لقد كان الخطر حقيقياً، وكان يجب أن نسمع صوت التحذير قبل أن يصل الصندوق إلى ما وصل إليه
لكن وبكل أسف البكاء على اللبن المسكوب لن يعيد قطرة واحدة منه...
السؤال اليوم ليس: من أخطأ في حق النقابة واموال المهندسين ؟
السؤال الأهم: ماذا بقي لنا لننقذ؟ والسؤال الأخطر حين يصبح إنقاذ صندوق واحد على حساب بقاء النقابة، فنحن لا نكون قد أنقذنا الصندوق… بل نكون قد بدأنا بإغراق ما تبقى من السفينة كلها هذه قناعتي في ذلك
موضوع الدمغة الهندسية ليس اختراعاً مستحدثاً لإنقاذ عجز هنا أو سد ثقب هناك... فالدمغة موجودة، بصور وأشكال مختلفة، في تجارب نقابية ومهنية عديدة، ويمكن أن تشكل رافداً مالياً مهماً إذا أُديرت بشفافية وعدالة وبما ينسجم مع التشريعات...
وقد طالبنا بهذا الأمر سابقاً، لكنه اصطدم، كما اصطدمت قضايا كثيرة، بحسابات انتخابية وسياسية ضيقة..
واليوم، لا أرى عيباً في العودة إلى الفكرة إذا كانت ستخدم المهنة والنقابة وأعضاءها
لكن المشكلة ليست في الدمغة وحدها...
المشكلة الأكبر، والأخطر، هي الفصل الحقيقي بين صناديق النقابة والحال الذي وصل اليه صندوق التقاعد ومعاناة آلاف المهندسين المتورطين فيه متقاعدين او مشتركين
رغما عن ذلك استمرار التعامل مع أموال الصناديق وكأنها جيب واحد، ثم نقل الأزمة من صندوق إلى آخر، قد يؤجل الانفجار لكنه لا يمنعه بل سيصل بكافة الصناديق وجسم النقابة الى الانتحار الحقيقي ولي شواهد كثيرة في ذلك يعرفها الجميع
قد ننقذ صندوق التقاعد اليوم رغم صعوبة ذلك بل استحالته ، ولكن ماذا لو كان ثمن الإنقاذ هو استنزاف صندوق آخر؟؟؟ مازال ينبض بالحياة بحذركصندوق التأمين الصحي مثلا
وماذا لو أصبحنا بعد سنوات أمام صندوقين أو ثلاثة يطلب كل واحد منها الإنقاذ؟ ؟؟
هل نكون قد أنقذنا النقابة أم أجلنا انهيارها؟؟
اليوم اتفهم ما يتحدث به عدد من الزميلات والزملاء ولكن وأقولها بكل صدق وتفكير لا تنقلوا النار من صندوق إلى آخر
أنا مع إنقاذ صندوق التقاعد ان امكن ذلك
بل أراه ضرورة لا تحتمل التأجيل
لكنني في الوقت نفسه أرفض أن يكون إنقاذه على حساب بقية صناديق النقابة أو حقوق أجيال المهندسين القادمة رغم تضرري كمشترك بالصندوق ...
صندوق التقاعد ليس قضية مالية مجردة.إنه عقد ثقة بين المهندس ونقابته
المهندس الذي دفع اشتراكاته لعشرات السنين لم يكن يدفعها لنقابة اليوم فقط، وإنما كان يشتري بها شيئاً من الأمان للغد
وعندما يصل المهندس إلى نهاية خدمته المهنية، لا يجوز أن يكتشف أن المال الذي دفعه طوال سنوات عمره قد ذاب في إدارات مرتبكة أو قرارات قصيرة النظر أو صراعات انتخابية
وفي المقابل، لا يجوز أيضاً أن نعالج هذه المشكلة بإطفاء حريق صندوق التقاعد بإشعال النار في الصناديق الأخرى،هذا ليس إنقاذاً… هذا تدوير للأزمة والهروب من المواجهة وكسب الوقت لا أكثر
نقابة المهندسين، ومعها عدد من النقابات المهنية، تعيش اليوم أزمة مالية وتشريعية وإدارية وأخلاقية في آن واحد
وأخطر ما في هذه الأزمة أن النقابات ، التي يفترض أن تكون بيتاً لأبنائها، تحولت في بعض مراحلها إلى جسم طارد لهم
والأخطر من ذلك أن أجيالاً من المهنيين والمعنيين بدأت تشعر بأن النقابات لم تعد تمثلها كما كانت
عندما يصبح الشاب المهندس عضواً في النقابة ولا يرى فيها إلا الرسوم والالتزامات، ولا يشعر بأن هناك مشروعاً مهنياً حقيقياً يدافع عن مستقبله، فهذه ليست مشكلة الشاب وحده...
هذه مشكلة المؤسسة والعمل النقابي والدولة ومخرجات التعليم
وعندما يبتعد أصحاب الخبرة، ويُدفع النقابيون القدامى إلى الهامش، ويتقدم الصفوف في بعض المراحل انصاف النقابيبن ويصبح الاختلاف في الرأي سبباً للإقصاء، وتصبح الانتخابات غاية بدلاً من أن تكون وسيلة، فإننا نكون قد بدأنا بفقدان أهم رأس مال للنقابة: أبنائها المخلصين
لنكن صريحين كفى انتخابات قصيرة النظر وكفى ذر الرماد في العيون فجزء كبير من أزماتنا النقابية لم يولد فجأة.
لقد ساهمت فيه قرارات قصيرة الأجل، وحسابات انتخابية، ومحاولات إرضاء الهيئة العامة اليوم ولو كان الثمن أن ندفعه غداً
فالقرار النقابي الذي كان يُتخذ من أجل الفوز في الانتخابات المقبلة قد يكون سهلاً
لكن القرار الذي يحمي حقوق المهندسين بعد عشرين عاماً يحتاج إلى شجاعة
يا زملاء لنقابة ليست موسماً انتخابياً
وليست مجلساً يأتي ويذهب
وليست قائمة انتخابية تفوز اليوم لتصبح المعارضة غداً
النقابة مؤسسة عمرها من عمر المهنة، وحقوق أعضائها ليست ملكاً لمجلس بعينه، ولا يجوز أن تكون رهينة لمزاج انتخابي عابر
في الختام اقول لمجلس نقابتنا وسعادة الزميل النقيب افصلوا الصناديق… وافتحوا الملفات،واستقطبوا الكفاءات والاحرار الغيورين على النقابة البعيدين عن المصالح والمزاودات
فإذا كان الفصل بين الصناديق هو الطريق الصحيح، فلنفعل ذلك بوضوح لا يحتمل التأويل
ولتكن لكل صندوق استقلاليته المالية والإدارية، وموارده، والتزاماته، وحساباته، وتقاريره
ولتعرف الهيئة العامة بكل شفافية:
أين ذهبت الأموال؟
كم الإيرادات؟
كم الالتزامات؟
ما حجم العجز؟
ما حجم الاستثمارات؟
ما العائد الحقيقي منها؟
ما كلفة الإدارة؟
وما السيناريو المتوقع بعد خمس سنوات وعشر سنوات وعشرين سنة؟
لا نريد أرقاماً تجميليةولا تصريحات نارية نريد الحقيقة كاملة كما هي بحلوها ومرها
فالحقيقة مهما كانت قاسية يمكن علاجها
أما إخفاء الحقيقة أو تأجيلها، فهو الذي يصنع الكارثة
أنقذوا الصندوق… وأنقذوا النقابة معه
أنا مع التعديلات التي تضع حداً للنزيف، ومع الدمغة الهندسية إذا كانت مدروسة وعادلة، ومع الفصل الحقيقي بين الصناديق، ومع أي تشريع يحمي أموال المهندسين ويمنع تكرار الأخطاء ومع ان تعود النقابة إلى مكانتها التي تستحق
لكنني أقول لمجلس النقابة وللهيئة المركزية ولجميع التيارات والقوائم والزملاء:
لا تجعلوا إنقاذ صندوق التقاعد ذريعة لإغراق بقية الصناديق..
ولا تجعلوا هذه الأزمة فرصة لتصفية الحسابات او التمهيد للانتخابات القادمة
ولا تجعلوا المال النقابي ورقة انتخابية
ولا تجعلوا مستقبل عشرات الآلاف من المهندسين رهناً لمجلس يأتي أو يرحل
هذه ليست معركة مجلس نقابة، هذه معركة بقاء مؤسسة
وإذا كان لا بد من تضحية، فلتكن التضحية بالحسابات الانتخابية، لا بحقوق المهندسين
وإذا كان لا بد من إصلاح، فليبدأ بالإدارة والشفافية والمساءلة قبل أن يبدأ من جيوب المهندسين
وإذا كان لا بد من قرار تاريخي، فليكن قراراً يقول بوضوح:
لن ننقذ صندوقاً بإغراق صندوق آخر.ولن نترك النقابة تغرق وهي تملك فرصة للنجاة
لقد تأخرنا كثيراًولكن ما زالت هناك فرصة.والفرصة الأخيرة لا تحتاج إلى خطابات انتخابية، ولا إلى تصفيق، ولا إلى شعارات.تحتاج إلى شجاعة الاعتراف، وشجاعة الإصلاح، وشجاعة أن نقول الحقيقة ولو كانت موجعة
فإما أن ننقذ النقابة وصناديقها اليوم و
إما أن يأتي يوم لا ينفع فيه إنقاذ صندوق، لأن السفينة كلها ستكون قد غرقت
حمى الله نقابتنا ووطننا وجيشنا وشعبنا وقيادتنا فما زال على هذه الأرض ما يستحق العمل والإنجاز والبناء رغم وعورة الطريق

























