عمر الدريني يكتب: تطبيق "سند" :عندما تنتقل الدولة من مكاتبها إلى هاتف المواطن
نبأ الأردن -
لم يكن المواطن الأردني، قبل سنوات قليلة، يتخيل أن جزءًا كبيرًا من علاقته بمؤسسات الدولة يمكن أن ينتقل من المكاتب والملفات والطوابير إلى شاشة صغيرة يحملها في يده.
لكن التحول الرقمي لم يعد وعدًا بالمستقبل؛ بل أصبح واقعًا يتشكل أمامنا، وفي قلبه يقف تطبيق «سند»، الذي يتقدم بوصفه بوابة لعلاقة رقمية جديدة بين المواطن والدولة.
وتكشف الأرقام حجم هذا التحول؛ فقد بلغت نسبة رقمنة الخدمات الحكومية 85.8% حتى نهاية النصف الأول من عام 2026، فيما وصل عدد الهويات الرقمية المفعلة عبر «سند» إلى 2.8 مليون هوية.
وهذه الأرقام لا تتحدث عن أنظمة وبرمجيات فحسب، بل عن ملايين المرات التي يمكن أن تتغير فيها تجربة المواطن مع الدولة.
من «أين أذهب؟» إلى «كيف أنجز؟»
كانت البيروقراطية تبدأ غالبًا بالسؤال: إلى أي دائرة أذهب؟ وما الوثائق المطلوبة؟ وكم سأنتظر؟
أما الدولة الرقمية فتريد إعادة ترتيب هذه الأسئلة.
فالمواطن لا ينبغي أن يكون مضطرًا إلى معرفة الخريطة الداخلية للجهاز الحكومي حتى يحصل على خدمة؛ يكفي أن يعرف حاجته.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لـ«سند»، الذي يتيح الوصول إلى الهوية والوثائق الرقمية ومجموعة من الخدمات الحكومية والتوقيع الرقمي وغيرها.
إنها نقلة من منطق المؤسسة إلى منطق المواطن.
ليست القضية تطبيقًا بل فلسفة دولة
قد يكون إطلاق تطبيق جديد أمرًا سهلًا، لكن الأصعب أن تتغير المؤسسات التي تقف خلفه.
فإذا انتقلت الخدمة إلى الهاتف وبقيت الإجراءات الداخلية معقدة، فإننا لم نحقق تحولًا حقيقيًا؛ لقد نقلنا الطابور من أمام شباك الموظف إلى خلف الشاشة.
التحول الحقيقي يبدأ عندما تعيد المؤسسة تصميم خدمتها من جذورها:
لماذا يحتاج المواطن إلى هذه الوثيقة؟ وهل البيانات موجودة أصلًا لدى الحكومة؟ وهل يمكن تبادلها بصورة آمنة وقانونية؟ وهل يستطيع المواطن إنجاز الخدمة كاملة دون مراجعة شخصية؟
فالدولة الرقمية ليست تطبيقًا جميلًا، بل إدارة حكومية تفكر بطريقة مختلفة.
«سند» والاختبار الأصعب: الثقة
كلما انتقلت الدولة إلى الفضاء الرقمي، برز سؤال جوهري: هل بيانات المواطن آمنة؟
فالمواطن الذي يضع هويته ووثائقه ومعلوماته في منظومة رقمية يريد حماية بياناته، وضمان موثوقية هويته، والاطمئنان إلى الخدمات التي يستخدمها.
ولهذا فإن الهوية الرقمية ليست مجرد وسيلة لتسجيل الدخول، بل أساس لعلاقة جديدة تقوم على الثقة الرقمية.
وتزداد أهمية ذلك مع توسع «سند» وإضافة خدمات جديدة تشمل الأحوال المدنية والجوازات، وترخيص السواقين والمركبات، ووزارة الداخلية، ودائرة ضريبة الدخل والمبيعات.
فكل خدمة جديدة تعني مسؤولية أكبر، وكلما اتسعت البيانات ازدادت الحاجة إلى حماية أقوى ووعي رقمي أوسع.
المواطن لا يريد أن يكون خبيرًا تقنيًا
الدولة الرقمية الناجحة هي التي تجعل الخدمة المعقدة سهلة للمستخدم العادي.
فالنجاح ليس في عدد الخطوات التي يستطيع النظام تنفيذها، بل في قلة الخطوات التي يحتاجها المواطن؛ وليس في كثرة المصطلحات التقنية، بل في وضوح التعليمات.
ولهذا ينبغي أن يستمر تطوير «سند» في اتجاه واحد: المزيد من البساطة.
من توفير الورق إلى توفير الحياة
لا تكمن أعظم فوائد الرقمنة في تقليل الورق، بل في توفير وقت الإنسان.
رحلة أقل إلى الدائرة تعني وقتًا إضافيًا مع الأسرة، وانتظارًا أقل يعني إنتاجية أعلى، ووثيقة متاحة على الهاتف تعني كلفة أقل واحتمالًا أقل لتعطل المعاملة.
وهكذا تتحول الرقمنة من مشروع تقني إلى مشروع لتحسين جودة الحياة.
رقمنة لا تستبعد أحدًا
لا ينبغي أن تتحول الدولة الرقمية إلى حاجز أمام كبار السن أو الفئات الأقل قدرة على استخدام التكنولوجيا.
فالرقمنة العادلة تحتاج إلى توعية ومساندة ومرحلة انتقالية ذكية، بحيث يكون الهدف توسيع الوصول إلى الدولة لا تضييقه.
الخطوة التالية: حكومة تعرف حاجة المواطن
المرحلة الأكثر طموحًا هي الانتقال من حكومة تنتظر طلب المواطن إلى حكومة تستطيع، ضمن القانون وحماية الخصوصية، تقديم الخدمة بصورة استباقية.
عندها قد يعرف النظام أن وثيقة تحتاج إلى تحديث، أو أن المواطن أصبح مستحقًا لخدمة، فيوجهه إليها مباشرة.
وهنا تنتقل الدولة من الخدمة الإلكترونية إلى الخدمة الذكية.
الأردن أمام فرصة حقيقية
الأردن ليس أمام مشروع تقني عابر، بل أمام فرصة لإعادة بناء تجربة المواطن مع الدولة.
و«سند» يمكن أن يكون حجر الأساس في هذه التجربة، مع اتساع قاعدة الهوية الرقمية، وبلوغ رقمنة الخدمات الحكومية 85.8%، واستمرار إضافة الخدمات.
لكن النجاح الحقيقي لن يُكتب في التقارير؛ بل في تجربة المواطن.
عندما يقول: «لم أحتج إلى الذهاب إلى الدائرة»، أو «أنجزت معاملتي خلال دقائق»، أو «وجدت وثيقتي في هاتفي»، عندها يصبح التحول الرقمي أكثر من تحديث إداري؛ يصبح تحولًا في علاقة الدولة بالمواطن.
فالدولة الرقمية ليست التي تملك أكبر عدد من التطبيقات، بل التي تجعل مؤسساتها أقرب إلى المواطن، وأسهل في الوصول إليها، وأكثر احترامًا لوقته واحتياجاته.
وفي هذه المعادلة، قد يكون الهاتف أصغر أدوات الدولة حجمًا، لكنه قد يصبح أحد أكبر أبوابها قربًا من المواطن.
فحين تنتقل الخدمة إلى الهاتف، لا ينبغي أن تنتقل البيروقراطية معها؛ بل يجب أن تختفي.
























