م.صلاح طه عبيدات يكتب : أقنعة الفضيلة وبلاغة الفشل: انتخابات البلديات وتكريس مسرحية العبث
نبأ الأردن -
لم تعد تعديلات قانون الإدارة المحلية سوى جولة جديدة من الديكور السياسي الذي يمارسه المشهد البلدي؛ فالقوانين، مهما أُحيطت بالهالة التشريعية الصارمة، تظل مجرد حبرٍ ميت على ورق صقيل، ما دامت المنظومة الإدارية والاجتماعية التي تُطبقها محكومة بعقولٍ احترافيّتها الوحيدة هي الالتفاف على النصوص وتحويل المؤسسة العامة إلى "ديوان تكتلات" وتنفيعات شخصية.
إننا على أعتاب موسم انتخابي جديد، ولن نرى فيه سوى الوجوه ذاتها التي أدمنّت إنتاج الفشل، لكن هذه المرة ببدلات أكثر أنيقة وخطابات مُستوردة عن "المدن الذكية"، و"التنمية الإستراتيجية"، و"جذب الاستثمار". يخرج علينا هؤلاء المرشحون ببياناتٍ استعراضية على منصات التواصل، ممارسين حالةً من الفصام المعرفي؛ وكأن الحفر التي تملأ شوارعنا، وتراكم النفايات، والعجز المالي الخانق، وتراجع الخدمات، هي آفاتٌ هبطت علينا من كوكبٍ آخر، وليست النتيجة المباشرة لإدارتهم العاجزة!
السؤال الحقيقي والوحيد الذي يجب أن يُواجه به هؤلاء ليس: "ماذا يَعِدون؟" بل: "من أين تخرجوا؟"
إن غالبية الوجوه المتزاحمة على المجالس البلدية تخرجت في مدارس المحسوبية وشبكات الولاءات الضيقة، وتأتي اليوم بكل جرأة لتمارس علينا "الأستاذية الأخلاقية" وتحدثنا عن الشفافية والنزاهة، برهانٍ رخيص على أن الذاكرة الجمعية للمواطنين قد أصابها التلف.
إن خطورة الفساد البلدي لا تكمن فقط في الأموال المهدورة، بل في هذا "العقل الفاسد" الذي يستمر في تبرير الهدر. فعندما تُصنّف المحسوبية تحت مسمى "التوافق الاجتماعي"، ويُصبح شراء الولاءات "تواصلًا جماهيريًا"، ويُحوّل الصندوق الاقتراحي إلى مجرد أداة لإعادة تثبيت التوازنات التقليدية بدلاً من اختيار الأفضل، فإننا نكون أمام تزويرٍ صريح لجوهر الديمقراطية. في هذا المناخ الهجين، تُصبح الكفاءة تهمة، ويُصبح الولاء الشخصي هو المعيار الوحيد للتعيين والإدارة.
البلدية ليست "مكتبًا لتسديد الفواتير الانتخابية"، ولا "صندوقًا لإرضاء الأقارب والمحاسيب"، بل هي مؤسسة ملك للناس وأموالها أموال عامة. غير أن الواقع يثبت عكس ذلك: موازنات تتضخم بالمديونية بينما الخدمات تنكمش، والسبب ببساطة أن الموازنة لا تكبر لأن المدينة تتوسع، بل لأن العجز الإداري يزداد ضخامة.
لقد استمرأت هذه المجالس تغليف فشلها بالبلاغة الرخيصة؛ فإذا عجزوا عن جمع النفايات أو تعبيد شارع، تحولت البلاغة إلى أداة تلميع، ويبدأ البحث عن شماعات خارجية يُلقى عليها اللوم (من الظروف الاقتصادية إلى الحكومة إلى المواطن نفسه)، بينما يظل المسؤول المحلي في نظريته الخاصة بريئًا ومحصنًا من كل نقد!
إن الانتخابات القادمة يجب أن تخرج من مرحلة "مهرجان البيانات الأنيقة" لتتحول إلى معركة وعي صريحة. على الناخب ألا ينخدع برصيد الشعار وجاذبية البلاغة؛ فالشعار الأنيق لا يعبّد شارعًا، والخطاب الرنان لا يرفع نفايات ولا يحل أزمة مديونية.
إن كسر هذه الدائرة المغلقة يتطلب نقلة حاسمة من "انتخابات الولاءات" إلى "انتخابات الكفاءات المطلقة"، ومن منطق "من معنا؟" إلى "من يقدر؟". فالبلدية لا تُدار بالتصفيق، ولا تسكنها الشعارات؛ البلدية تُدار بالمهنية، ويُحرس مالها بالضمير، وتُبنى بالكفاءة. وما لم يدرك المجتمع أن الصوت هو خط الدفاع الأخير لمنع إعادة إنتاج الفساد، سنظل نصلح النصوص والقوانين، ونترك الفساد حراً يعبث بالواقع!
























