لين عطيات تكتب: كيف يمكن أن يصنع التطوع مستقبل الأردن؟ : قراءة في مستقبل التطوع الأردني
نبأ الأردن -
ثمة سنوات تمرّ بنا، ثم نكتشف بعد أن نعبرها أنها لم تكن مجرد أرقامٍ على تقويم، بل علاماتٌ فارقة في الطريق وسنة 2026، بالنسبة لي، لم تكن سنةً عابرة.
كانت سنةً بدا فيها التطوّع وكأنه يستعيد صوته.
سنةٌ لم يعد فيها المتطوع ذلك الشخص الذي يأتي حين يجد وقتًا فائضًا من يومه، ولا الذي يبحث عن شهادةٍ يضيفها إلى ملفه، ولا حتى ذلك الذي يقف على هامش المشهد ليقول: «ماذا يمكنني أن أفعل؟».
بل أصبح المتطوع جزءًا من المشهد ذاته وجزءًا من الحل وجزءًا من الحكاية وربما… جزءًا من المستقبل.
لقد علّمتنا 2026 أن التطوع ليس ساعاتٍ تُسجّل، ولا أرقامًا تُجمع، ولا صورًا تُلتقط في نهاية كل مبادرة. التطوع، في جوهره، هو ذلك القرار الصغير الذي يتخذه الإنسان حين يرى حاجةً في مكانٍ ما، فيقرر ألّا يمرّ من جانبها وكأنه لم يرَ شيئًا.
أن تمدّ يدك، لأنك تستطيع.
أن تمنح من وقتك، لأن وقتك قد يصنع فرقًا في حياة إنسان آخر.
أن تؤمن أن ما تفعله، مهما بدا صغيرًا، قد يكون كبيرًا في مكانٍ آخر لا تراه.
ولهذا، ربما كانت 2026 سنة المتطوعين بامتياز؛ لأنها دفعتنا إلى النظر إلى التطوع من زاويةٍ مختلفة.
لم نعد نسأل فقط: كم متطوعًا لدينا؟
بل بدأ السؤال الأهم يظهر:
ماذا صنع هؤلاء المتطوعون؟
ما الأثر الذي تركوه؟
كم فكرةً بدأت من يد متطوع؟
كم طفلًا تعلّم شيئًا جديدًا لأن شابًا قرر أن يمنحه ساعةً من وقته؟
كم مساحةً أصبحت أكثر دفئًا لأن أحدهم قرر أن يكون حاضرًا؟
وكم إنسانًا اكتشف قدرته على العطاء، فقط لأنه وجد فرصةً واحدة ليجرّب؟
في الأردن، يبدو المشهد أكثر وضوحًا.
فالتطوع لم يعد فعلًا فرديًا معزولًا، بل أصبح مساحةً تلتقي فيها طاقات الشباب، والمؤسسات، والمجتمع، والأفكار.
وأصبحنا نرى المتطوع في أماكن لم نعتد أن نراه فيها؛ في التعليم، والثقافة، والبيئة، والطفولة، والفعاليات المجتمعية، وفي المبادرات التي تحاول أن تعالج مشكلات حقيقية لا أن تكتفي بوصفها.
وهنا تكمن قيمة التطوع الحقيقية.
أن يتحول الإنسان من متلقٍ إلى شريك.
ومن مشاهدٍ إلى فاعل.
ومن شخصٍ ينتظر أن يتغير العالم إلى شخصٍ يسأل نفسه:
ماذا أستطيع أن أغيّر أنا؟
لكن، وبين كل هذا الاحتفاء بالتطوع، علينا ألّا نقع في فخ الأرقام.
فالرقم الكبير جميل.
وعدد المتطوعين الكبير إنجاز.
وكثرة المبادرات أمر يدعو للفخر.
لكن الأجمل من كل ذلك أن نمتلك القدرة على صناعة تطوعٍ مستدام؛ تطوعٍ لا ينتهي بانتهاء الفعالية، ولا يسقط بانتهاء الصورة، ولا يُختزل في شهادة مشاركة.
نحتاج إلى تطوعٍ يترك معرفةومهارة وقيمة.
وأثرًا يبقى بعد أن يغادر المتطوع المكان ونحتاج إلى أن نربي جيلًا لا يرى التطوع كواجبٍ إضافي على قائمة الحياة، بل كجزءٍ من هويته الإنسانية.
جيلًا يفهم أن المجتمع ليس شيئًا نعيش فيه فقط، بل شيئًا نشارك في صناعته.
ولعل أجمل ما في المتطوع أنه لا يملك دائمًا الكثير، لكنه يعرف كيف يمنح ما يملك.
قد لا يملك المال، فيمنح وقته.
وقد لا يملك الخبرة، فيمنح جهده.
وقد لا يملك الحل الكامل، لكنه يملك شجاعة المحاولة.
وهذه الشجاعة وحدها… قد تكون بداية التغيير.
2026 جعلتني أؤمن أكثر بأن مستقبل العمل التطوعي لن يكون في زيادة عدد المتطوعين فقط، بل في زيادة قيمة المتطوع.
في أن نمنحه المعرفة قبل المهمة، والتدريب قبل التكليف، والمساحة قبل التوجيه.
أن نسمح له بأن يقترح، ويخطئ، ويجرّب، ويقود فالمتطوع ليس يدًا تنفذ فقط.
المتطوع عقلٌ يفكر، وقلبٌ يشعر، وصوتٌ يقترح، وإنسانٌ يستطيع أن يصنع فرقًا حين يجد البيئة التي تؤمن بقدرته.
وربما لهذا السبب تحديدًا، سأذكر 2026 طويلًا.
ليس لأنها سنةٌ امتلأت بالمبادرات فحسب، بل لأنها ذكّرتنا بأن خلف كل مبادرةٍ شخصًا قرر أن يفعل شيئًا.
خلف كل ساعة تطوع… قلبًا اختار العطاء.
وخلف كل أثر… إنسانًا لم ينتظر أن يبدأ الآخرون.
وفي نهاية هذه السنة، لا أريد أن أسأل:
كم ساعة تطوع أنجزنا؟
ولا كم مبادرة أطلقنا؟
ولا كم اسمًا أضفنا إلى قوائم المتطوعين؟
أريد أن أسأل سؤالًا واحدًا فقط:
كم حياةً لامسنا؟
لأن التطوع، في النهاية، ليس عن الوقت الذي نعطيه.
إنه عن الأثر الذي يتركه هذا الوقت.
وربما كانت هذه هي الرسالة الأجمل التي حملتها 2026:
أن العالم لا يتغير دائمًا بالقرارات الكبيرة.
أحيانًا…
يبدأ التغيير من شخصٍ واحد،وفي مكانٍ واحد،وفي ساعةٍ واحدة،
قال ببساطة: أنا أستطيع أن أفعل شيئًا
ومن هنا…
بدأت الحكاية.
وفي الأردن… كان للتطوع حكايةٌ أخرى
في الأردن، لم يكن التطوع يومًا فكرةً مستوردة من الكتب، ولا مصطلحًا جديدًا نتعلمه اليوم؛ هو جزءٌ من طبيعة هذا المجتمع، ومن ثقافة الفزعة التي عرفناها طويلًا، ومن ذلك الشعور الذي يجعل الأردني يمدّ يده حين يرى حاجةً أمامه، حتى قبل أن يُطلب منه ذلك.
لكن ما تغيّر في السنوات الأخيرة هو أن هذه الروح بدأت تنتقل من العفوية إلى التنظيم، ومن المبادرات الفردية المتفرقة إلى العمل المؤسسي، ومن أن نساعد إلى أن نسأل: كيف نساعد بطريقةٍ أكثر استدامة وأثرًا؟
وفي 2026، بدا هذا التحول أكثر وضوحًا؛ فالشباب الأردني لم يعد حاضرًا في المشهد التطوعي بوصفه منفذًا للمهام فقط، بل أصبح صاحب فكرة، ومبادرًا، ومنظمًا، ومدربًا، وشريكًا في صناعة الحلول. وأصبح التطوع مساحةً لاكتشاف الطاقات، وبناء المهارات، وفتح الأبواب أمام الشباب ليكونوا جزءًا حقيقيًا من مجتمعاتهم.
وفي بلدٍ شابٍ كالأردن، لا يمكن النظر إلى التطوع باعتباره نشاطًا جانبيًا؛ فكل شاب يكتشف قدرته على العطاء هو طاقةٌ جديدة تُضاف إلى المجتمع، وكل مبادرةٍ تنجح في تحويل مشكلةٍ إلى فرصة، هي خطوةٌ صغيرة نحو تنميةٍ أكثر إنسانية.
ولعل التحدي القادم أمامنا ليس أن نقنع الأردنيين بالتطوع؛ فالرغبة موجودة، والروح موجودة، والشباب موجودون.
التحدي الحقيقي هو أن نبني لهم منظومة تطوعٍ تستحق هذه الرغبة؛ منظومة تحفظ وقت المتطوع، وتطوّر مهاراته، وتستثمر أفكاره، وتقيس أثره، وتجعله يشعر أن ما يقدمه لا يذهب هباءً.
فالأردن لا يحتاج إلى متطوعين أكثر فقط…
بل يحتاج إلى أن نمنح كل متطوع فرصةً أكبر ليكون صانع أثر حقيقي .
الأردن… حين يتحول التطوع من ثقافة العطاء إلى صناعة التنمية
في الأردن، لا يمكن أن نتحدث عن التطوع بوصفه ظاهرةً جديدة؛ فالعطاء متجذر في الذاكرة الاجتماعية الأردنية، في الفزعة، وفي الوقوف إلى جانب الآخر، وفي تلك البساطة التي تجعل الإنسان يقول: نا موجود… ماذا أستطيع أن أفعل؟
لكن ما يحدث اليوم أكثر من مجرد استمرار لهذه الثقافة إنه انتقالٌ من التطوع العفوي إلى التطوع المنظم، ومن المبادرة الفردية إلى العمل المؤسسي، ومن تقديم المساعدة إلى صناعة الأثر.
والأرقام هنا لا تكذب.
فبحسب بيانات منصة نحنُ التي أوردتها وكالة الأنباء الأردنية، وصل عدد المتطوعين المسجلين إلى 242,615 متطوعًا، نفذوا أكثر من 7.29 مليون ساعة تطوعية. والمثير في هذه الأرقام ليس حجم المشاركة فقط، بل تنوعها؛ فقد توزعت ساعات التطوع بين التعليم، والريادة، والصحة، والمساعدة، والبيئة، والفنون، والرياضة، والتكنولوجيا. ([وكالة الانباء الاردنية][1])
وهذا التنوع يقول شيئًا مهمًا:
إن التطوع لم يعد نشاطًا يقع خارج عملية التنمية، بل أصبح قادرًا على الدخول إلى قلبها فحين يتطوع شاب لتعليم طفل، نحن أمام مساهمة في الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة: التعليم الجيدوحين يشارك متطوع في حملة تشجير أو تنظيف أو توعية بترشيد المياه، فنحن لا نتحدث فقط عن يوم تطوعي جميل، بل عن مساهمة مباشرة في أهداف مرتبطة بالعمل المناخي، وحماية البيئة، والاستخدام المستدام للمواردوحين يشارك الشباب في مبادرات صحية أو اجتماعية، فإنهم يضيفون إلى منظومة الصحة والرفاه والتكافل المجتمعي وحين تتحول فكرة شاب إلى مبادرة ريادية، فإن التطوع يصبح مساحةً لبناء المهارات والابتكار وخلق فرص جديدة وهنا تحديدًا تبدأ العلاقة الحقيقية بين التطوع والتنمية المستدامة فالتنمية المستدامة لا تعني أن نبني شيئًا اليوم ثم نتركه للغد، بل أن نصنع حلولًا تستمر، وتصل إلى الإنسان، وتحافظ على الموارد، وتفتح المجال أمام المجتمع ليكون شريكًا في صناعة مستقبله.
ولعل أحد أكثر النماذج الأردنية وضوحًا يأتي من برنامج نحنُ؛ إذ شهدت مشاريع التطوع والمشاركة المجتمعية تنفيذ 11,780 مشروعًا في الأردن ومخيمات اللاجئين السوريين خلال عام 2023، وأسهم بعضها في جمع نحو 34,998 كيلوغرامًا من النفايات الصلبة، وزراعة 15,911 شجرة، وتنفيذ 837 جلسة توعوية حول ترشيد المياه. ([The United Nations in Jordan][2])
تخيلوا الرقم للحظة أكثر من أحد عشر ألف مشروع.
آلاف الأشجار.
أطنان من النفايات التي جرى جمعها.
ومئات الجلسات التي حملت رسالة واحدة: أن حماية الموارد ليست مسؤولية المؤسسات وحدها، بل مسؤولية المجتمع أيضًا.
وهنا يصبح المتطوع شريكًا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لا متلقيًا لها.
وفي نموذج آخر يعكس اتساع البنية المؤسسية للتطوع في الأردن، حققت منصة زها للعمل التطوعي في عام 2026 وصولًا إلى 80 ألف متطوع، قبل أن تعرض المنصة لاحقًا أرقامًا تتجاوز 90 ألف ملف مسجل، إلى جانب مئات الفرص التطوعية وآلاف الجهات والطلبات المسجلة عبر شبكتها. ([LinkedIn][3])
وهذه الأرقام بالنسبة لي ليست مجرد أرقام للاحتفال.
هي مؤشر على أن لدينا طاقةً مجتمعية هائلة.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بعد الاحتفال هو:
كيف نحول هذه الطاقة إلى أثرٍ مستدام؟
كيف ننتقل من تسجيل المتطوع إلى تطويره؟
ومن احتساب الساعات إلى قياس الأثر؟
ومن تنفيذ المبادرة إلى معرفة ما الذي تغيّر بعدها؟
لأنني لا أعتقد أن نجاح التطوع يقاس بعدد الصور التي التُقطت في نهاية النشاط، ولا بعدد الشهادات التي وُزعت على المشاركين.
نجاح التطوع الحقيقي أن نعود إلى المكان نفسه بعد عام، فنجد شيئًا قد تغيّر.
طفلًا أصبح أكثر قدرة على القراءة.
حديقةً أصبحت أكثر خضرة.
شابًا اكتسب مهارةً وظيفية.
أسرةً أصبحت أكثر قدرة على الوصول إلى خدمة.
مجتمعًا أصبح أكثر وعيًا بقضية كانت بالأمس مجهولة بالنسبة إليه.
هنا فقط يصبح التطوع تنمية وهنا أيضًا تصبح سنة 2026 مختلفة.
فإذا كانت السنوات السابقة قد نجحت في توسيع قاعدة المشاركة، فإن التحدي القادم هو أن ننتقل من كم تطوع لدينا؟ إلى ماذا صنع هذا التطوع؟
أن يصبح لكل ساعة تطوعية معنى.
وماذا يمكن أن نتعلّم من التجارب الغربية؟
إذا أردنا أن نتحدث عن تطوير العمل التطوعي في الأردن، فعلينا ألّا نكتفي بالنظر إلى ما أنجزناه، بل أن نرفع أعيننا قليلًا نحو تجارب أخرى استطاعت أن تجعل من التطوع جزءًا من منظومة التنمية، ثم نسأل: ماذا يمكن أن نتعلم؟ وماذا يمكن أن نصنع نحن بطريقتنا؟
في بريطانيا، لم يعد العمل التطوعي محصورًا في المبادرات الموسمية أو الجهود الفردية، بل أصبح جزءًا من منظومة المجتمع المدني، مع وجود مؤسسات تعمل على تدريب المنظمات التطوعية، وتطوير قدراتها، ومساعدتها على قياس أثرها واستدامة عملها. وما يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة هو أهمية الانتقال من فكرة الفرصة التطوعية إلى فكرة المسار التطوعي؛ بحيث لا يدخل الشاب فرصة واحدة ثم يغادر، وإنما يبدأ متطوعًا، ثم يتعلم، ويتدرج، ويقود الفرق، ويصبح قادرًا على تدريب متطوعين آخرين وصناعة مبادراته الخاصة.
وفي الولايات المتحدة، تقدم برامج الخدمة الوطنية، ومن أبرزها AmeriCorps، نموذجًا مختلفًا في ربط التطوع والخدمة المجتمعية بالتعلم والخبرة. فالمشارك لا يقدم وقته فقط، وإنما يعيش تجربة منظمة تتيح له اكتساب مهارات حقيقية في مجالات كالتعليم والصحة والبيئة وخدمة المجتمعات. وهنا يمكن للأردن أن يستفيد من الفكرة دون أن يستنسخ النموذج؛ بأن نجعل التطوع مساحة عملية لاكتساب المهارات، وأن يصبح الشاب قادرًا على الخروج من تجربته التطوعية بخبرة في القيادة، وإدارة الفرق، والتواصل، وتنظيم الفعاليات، وإدارة المشاريع.
أما ألمانيا، فتقدم نموذجًا أكثر وضوحًا في تنظيم الخدمة التطوعية من خلال برامج وطنية مثل الخدمة الاجتماعية التطوعية والخدمة التطوعية الاتحادية، حيث يخوض المشاركون تجارب منظمة لها أدوار واضحة وتدريب وإشراف. وهذا يفتح أمامنا سؤالًا مهمًا: لماذا لا نصل في الأردن إلى مرحلة يصبح فيها التطوع جزءًا من رحلة بناء الإنسان والمهارات، وليس مجرد ساعات تُسجل في ملف المتطوع؟
ربما نحتاج إلى أن ننتقل من سجل الساعات إلى سجل المهارات» فبدل أن يقول ملف المتطوع إنه أنجز مئة ساعة تطوعية فقط، يمكن أن يقول إنه قاد فريقًا من المتطوعين، ونظم فعالية، وشارك في حملة بيئية، وتلقى تدريبًا في إدارة المبادرات، واكتسب مهارات في التواصل والعمل الجماعي. عندها تصبح الساعة التطوعية أكثر من رقم؛ تصبح خبرة يمكن للمتطوع أن يحملها معه في مسيرته التعليمية والمهنية.
والأمر نفسه ينطبق على قياس الأثر فنحن في كثير من الأحيان نحتفي بعدد المشاركين، وعدد الساعات، وعدد المبادرات، وهي أرقام مهمة، لكنها لا تخبرنا القصة كاملة. السؤال الأهم يجب أن يكون: ماذا تغير بعد المبادرة؟ كم طفلًا استفاد فعلًا؟ كم شجرة بقيت؟ كم شخصًا تغير سلوكه؟ وما المشكلة التي أصبحت أصغر بسبب هذا العمل؟ هنا يبدأ التطوع بالاقتراب الحقيقي من مفهوم التنمية المستدامة؛ لأن التنمية لا تقاس بما نفعل فقط، وإنما بما يبقى مما فعلناه.
ومن التجارب التي تستحق أن ننظر إليها أيضًا التطوع الرقمي، الذي فتح في كثير من الدول مساحة جديدة للمشاركة. فليس شرطًا أن يكون المتطوع موجودًا في الميدان حتى يكون قادرًا على صناعة الأثر؛ قد يكون مصممًا، أو مترجمًا، أو كاتب محتوى، أو مبرمجًا، أو مدربًا، ويقدم خبرته من أي مكان. وهذه المساحة يمكن أن تكون فرصة كبيرة في الأردن، خصوصًا أمام الشباب الذين يمتلكون مهارات رقمية ويرغبون في التطوع، لكن ظروفهم لا تسمح لهم دائمًا بالمشاركة الميدانية.
ومن هنا، أعتقد أننا نستطيع أن نبني نموذجًا أردنيًا خاصًا بنا؛ نموذجًا لا يقلد التجارب الغربية، وإنما يستفيد من أفضل ما فيها، ويحافظ في الوقت ذاته على خصوصية المجتمع الأردني وروح لفزعة التي لطالما كانت جزءًا من ثقافتنا. نريد أن نحافظ على دفء العطاء، لكن نضيف إليه التخطيط. وأن نحافظ على حماس الشباب، لكن نمنحه التدريب.وأن نحافظ على كثرة المبادرات، لكن نربطها بحاجات حقيقية وأهداف واضحة.
وربما يكون التطور الحقيقي الذي نحتاجه في المرحلة المقبلة هو أن نعيد تعريف المتطوع نفسه؛ فلا نراه يدًا إضافية لتنفيذ مهمة، بل عقلًا قادرًا على التفكير، وشخصًا قادرًا على القيادة، وصاحب فكرة يمكن أن تتحول إلى مشروع، وشريكًا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة فالتجارب العالمية تخبرنا أن التطوع عندما يُنظم ويُستثمر في الإنسان، يمكن أن يتحول إلى قوة اجتماعية واقتصادية وتعليمية وبيئية. أما نحن في الأردن، فنملك أصل الحكاية: لدينا الرغبة في العطاء، والشباب، والطاقة، والانتماء للمجتمع وما ينقصنا ليس الرغبة ما ينقصنا أن نعطي هذه الرغبة طريقًا واضحًا وأن ننتقل من سؤال: كم شخصًا تطوع؟ إلى سؤال: كم إنسانًا تطور لأنه تطوع؟.
ومن سؤال: كم ساعة أنجزنا؟ إلى: كم أثرًا تركنا؟.
فحين يصبح التطوع طريقًا لبناء الإنسان، وحين يصبح المتطوع شريكًا في حل المشكلات، وحين تتحول الساعات إلى مهارات، والمبادرات إلى نتائج، والنتائج إلى أثر مستدام؛ عندها فقط نستطيع أن نقول إننا لم نعد نتحدث عن التطوع بوصفه نشاطًا اجتماعيًا، بل عن التطوع بوصفه أحد مسارات التنمية وصناعة المستقبل ولكل مبادرة مؤشر أثرولكل متطوع فرصة للتعلم ولكل فكرة مساحة للنموولأن الأردن دولة شابة، فإن الاستثمار في المتطوعين ليس استثمارًا في نشاط جانبي، بل استثمار في رأس مال بشري قادر على أن يحمل جزءًا من مسؤولية المستقبل وربما لهذا السبب، فإن الحديث عن سنة المتطوعين لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء السنة بل يجب أن تكون 2026 بداية مرحلة جديدة مرحلة يصبح فيها التطوع جزءًا من منظومة التنمية الوطنية، وشريكًا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ومساحةً حقيقية لاكتشاف الشباب لقدراتهم، وممارسة المواطنة، وصناعة الحلول.
فالأردن لا ينقصه من يريد أن يعطي الأردن لديه الكثير ممن يريدون أن يعطوا ما نحتاجه هو أن نمنح هذا العطاء اتجاهًا، ومعرفةً، ومنظومةً، وفرصةً ليترك أثرًا يبقى فالتطوع ليس أن نعطي من وقتنا فحسب التطوع أن نحول جزءًا من وقتنا إلى شيءٍ يبقى بعد أن ينتهي الوقت.
"إنجاز جديد نفخر به! احتفل مركز زها الثقافي بوصول منصة زها للعمل التطوعي إلى 80 ألف متطوع، في محطة تعكس نجاح مسيرتها في نشر ثقافة التطوع وخدمة المجتمع. كل الشكر للداعمين والمساهمين والمتطوعين الذين… | Zaha Cultural Center مركز زها الثقافي"

























