اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

مأمون أبو السباع يكتب: الزيارة الملكية إلى الصين.. نافذة أوسع على الشرق

مأمون أبو السباع يكتب: الزيارة الملكية إلى الصين.. نافذة أوسع على الشرق
نبأ الأردن -
المدير التنفيذي لمعهد طلال أبوغزاله - كونفوشيوس
حين يزور جلالة الملك عبدالله الثاني الصين، فإن الأمر لا يتعلق فقط بلقاءات رسمية أو مباحثات سياسية بين دولتين صديقتين، بل بفرصة لفتح أبواب جديدة أمام الأردن، وأمام أبنائه، في واحدة من أكثر مناطق العالم تأثيراً في حاضر الاقتصاد ومستقبله.
الصين اليوم ليست مجرد قوة اقتصادية كبرى، بل سوق هائلة، ومركز للمعرفة والتكنولوجيا، وفضاء واسع للاستثمار والسياحة والتعليم والتبادل الثقافي. ومن هنا تأتي أهمية الزيارة الملكية، التي تحمل في جوهرها رؤية أردنية تقوم على تنويع الشراكات، والانفتاح على العالم، وتحويل العلاقات السياسية إلى فرص حقيقية يشعر المواطن بأثرها في حياته ومستقبله.
فالعلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بما تتركه هذه الاتفاقيات من أثر في حياة الناس: فرصة عمل لشاب، وسوق جديدة أمام شركة أردنية، ومنحة لطالب، واستثمار جديد، وسائح يكتشف الأردن للمرة الأولى، أو طالب أردني يتعلم اللغة الصينية ويفتح لنفسه نافذة على ثقافة واقتصاد يزداد حضورهما في العالم كل يوم.
الصين.. شريك أبعد من الاقتصاد
يمتلك الأردن الكثير مما يمكن أن يقدمه للصين. فالمملكة تتمتع بموقع جغرافي يربط آسيا بالعالم العربي، وبعلاقات إقليمية ودولية واسعة، وبيئة مستقرة، وموارد بشرية مؤهلة، إلى جانب قطاعات اقتصادية وسياحية قادرة على النمو.
وفي المقابل، تمتلك الصين سوقاً ضخمة وخبرات واسعة في التكنولوجيا والصناعة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي والتعليم.
وهنا تحديداً تكمن فرصة الأردن: ألا تكون العلاقة مع الصين علاقة استيراد وتجارة فقط، وإنما شراكة حقيقية تقوم على تبادل الخبرات والاستثمار ونقل المعرفة وبناء المشاريع المشتركة.
إن تعميق هذه العلاقة يمكن أن يفتح أسواقاً جديدة أمام المنتجات والخدمات الأردنية، ويجذب استثمارات نوعية، ويدعم قطاعات التكنولوجيا والطاقة والتعليم والاقتصاد الرقمي، والأهم أنه يمكن أن يخلق فرصاً جديدة للشباب الأردني.
السياحة.. عندما يكتشف الصيني الأردن
ولعل السياحة واحدة من أكثر المجالات التي يمكن أن يلمس فيها المواطن الأردني أثر الانفتاح على السوق الصينية.
الأردن بلد صغير في مساحته، لكنه غني بصورة استثنائية في ما يقدمه للزائر. ففي رحلة واحدة يمكن للسائح أن ينتقل من البتراء إلى وادي رم، ومن البحر الميت إلى جرش، ومن العقبة إلى عمّان، وأن يعيش في أيام قليلة تجربة تجمع التاريخ والدين والطبيعة والمغامرة والاستجمام.
لكن السؤال هو: كيف نجعل هذه الصورة تصل إلى السائح الصيني؟
لقاء جلالة الملك في شنغهاي مع مجموعة Trip.com يكتسب أهمية خاصة في هذا السياق، لأنه يفتح الباب أمام تعاون يمكن أن يساعد الأردن على الوصول بصورة أفضل إلى أحد أكبر أسواق السياحة في العالم.
وهنا نحتاج إلى أن نتحدث مع السائح الصيني بلغته، وأن نقدم له الأردن بالطريقة التي يبحث بها عن وجهته.
نحتاج إلى محتوى سياحي باللغة الصينية، وحملات تسويقية على المنصات التي يستخدمها الصينيون، وأدلاء سياحيين يتحدثون الصينية، وخدمات تراعي خصوصية الزائر وثقافته، وتجربة رقمية تجعل التخطيط للرحلة والحجز والدفع أكثر سهولة.
لكن كل ذلك لن يكتمل من دون سهولة الوصول.
فالسائح قد يحب البتراء ووادي رم قبل أن يزورهما، وقد يقرر أن يرى البحر الميت بنفسه، لكن المسافة وسهولة الرحلة والنقل الجوي تظل عوامل حاسمة في اتخاذ القرار. ولذلك فإن تطوير الربط الجوي بين الأردن والصين سيكون واحداً من أهم مفاتيح تحويل الاهتمام إلى أرقام حقيقية على أرض الواقع.
طلال أبوغزاله.. قصة أردنية بدأت مبكراً
وعندما نتحدث عن العلاقة الأردنية الصينية، يصعب تجاهل تجربة الدكتور طلال أبوغزاله، الذي آمن منذ وقت مبكر بأن بناء الجسور بين الأردن والصين لا يبدأ من الاتفاقيات وحدها، وإنما من الإنسان والمعرفة والثقة.
على مدى عقود، تطورت علاقة الدكتور أبوغزاله بالصين من التعاون الاقتصادي والمهني إلى تجربة أوسع شملت الأعمال والملكية الفكرية والتعليم والثقافة واللغة.
وفي عام 2003، حصلت شركة أبوغزاله للملكية الفكرية (AGIP) على ترخيص لممارسة أعمالها في شنغهاي، كما أنشأت المجموعة مكاتب لها في شنغهاي وبكين وهونغ كونغ.
لكن الأهم أن التجربة لم تتوقف عند حدود الأعمال.
فحين يتعلم طالب أردني اللغة الصينية، فهو لا يتعلم كلمات جديدة فحسب؛ بل يتعلم كيف يفكر شعب آخر، وكيف ينظر إلى العالم، وكيف يمكن أن يتواصل معه. وحين يتعرف شاب أردني إلى الثقافة الصينية، فإنه يصبح في المستقبل أكثر قدرة على الدراسة أو العمل أو التجارة أو بناء شراكة مع الصين.
ولهذا جاء الاهتمام بتعليم اللغة الصينية في الأردن من خلال معهد طلال أبوغزاله كونفوشيوس، باعتباره جسراً معرفياً وإنسانياً بين الشعبين.
والعلاقات التي تعيش طويلاً بين الدول هي تلك التي تجد طريقها إلى قلوب الناس وعقولهم، لا تلك التي تبقى محصورة في غرف الاجتماعات.
وقد جاء تقدير الصين لهذا الدور بصورة واضحة عام 2016، عندما مُنح الدكتور طلال أبوغزاله جائزة الجهود المتميزة لدعم الصداقة العربية الصينية من الرئيس الصيني شي جين بينغ، تقديراً لإسهاماته في تعزيز العلاقات الصينية العربية.
كما استضافت مؤسسات مجموعة طلال أبوغزاله فعاليات وحوارات حول الاستثمار والتعاون الأردني الصيني، بمشاركة مسؤولين ودبلوماسيين صينيين، بما يؤكد أن القطاع الخاص والمؤسسات الوطنية يمكن أن تكون شريكاً حقيقياً في بناء العلاقات بين الدول.
ما بعد الزيارة
الزيارة الملكية تفتح الباب، لكن ما سيأتي بعدها هو الأهم.
فالمطلوب أن تتحول الرؤية السياسية إلى مشاريع، والمشاريع إلى فرص، والفرص إلى نتائج يشعر بها الناس.
نحتاج إلى المزيد من الشركات الأردنية التي تدخل السوق الصينية، والمزيد من الاستثمارات الصينية في الأردن، والمزيد من الطلاب الذين يتعلمون الصينية، والمزيد من السياح الصينيين الذين يكتشفون الأردن، والمزيد من المشاريع المشتركة في التكنولوجيا والطاقة والتعليم والسياحة.
ونحتاج، قبل كل شيء، إلى أن نرى العلاقة الأردنية الصينية باعتبارها علاقة بين شعبين، وليس فقط بين حكومتين.
فحين يتعرف الطالب الأردني إلى الصين، وحين يكتشف السائح الصيني البتراء، وحين يلتقي رجل الأعمال الأردني بشريكه الصيني، وحين يجد شاب أردني فرصة عمل في مشروع استثماري جديد، تصبح الدبلوماسية شيئاً ملموساً في حياة الناس.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للزيارة الملكية.
فالأردن لا يفتح نافذة على الصين فقط، بل يفتح نافذة على شرق يتغير بسرعة، وعلى اقتصاد جديد، ومعرفة جديدة، وفرص جديدة.
وإذا أحسنّا استثمار هذه اللحظة، فقد لا تكون الزيارة الملكية إلى الصين مجرد محطة مهمة في تاريخ العلاقات بين البلدين، بل بداية مرحلة يصبح فيها الأردن جسراً أكثر حضوراً بين الصين والعالم العربي؛ جسراً تبنيه المصالح المشتركة، وتحميه المعرفة، وتمنحه السياحة والثقافة والإنسان معنى أعمق وأكثر استدامة.
فالصداقات بين الدول تبدأ من السياسة، لكنها لا تصبح راسخة إلا عندما تصل إلى الناس.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions