المهندس مدحت الخطيب يكتب: الطريق إلى بكين.. وجهة الاقتصاد الأردني الجديدة
نبأ الأردن -
لم تعد الصين، في عالم اليوم، مجرد دولة كبرى بعيدة في أقصى الشرق، ولا مجرد قوة اقتصادية تنافس الولايات المتحدة وأوروبا على الأسواق والنفوذ، اليوم أصبحت الصين عنواناً للتحول في النظام الدولي الجديد، وقوة اقتصادية وتكنولوجية وصناعية وعسكرية لا تستطيع أي دولة تبحث عن مستقبل أكثر أمناً واستقراراً أن تتجاهلها.
ومن هنا، فإن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين، وما رافقها من حفاوة رسمية واتساع في برنامج الزيارة ولقاءات سياسية واقتصادية، لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها زيارة بروتوكولية عابرة، بل رسالة سياسية واقتصادية واضحة: الأردن يريد أن يكون حاضراً في المشهد الصيني، وأن يفتح لنفسه طريقاً أوسع نحو واحدة من أهم قوى القرن الحادي والعشرين.
الأردن بلد صغير في موارده، لكنه كبير في موقعه وقدرته على بناء العلاقات، وهذه الميزة يجب أن تتحول من مجرد جغرافيا سياسية إلى قيمة اقتصادية حقيقية. فالمطلوب اليوم ليس أن نبحث عن صديق واحد، ولا أن نضع اقتصادنا في سلة واحدة، وإنما أن نبني شبكة واسعة من الشراكات والمصالح المتبادلة، وأن نعرف أين تتجه حركة الاقتصاد العالمي فنكون هناك قبل أن يفوتنا القطار الذي يمر اليوم من بكين.
فالصين تبحث عن الأسواق والطاقة والممرات التجارية والشراكات والتكنولوجيا والاستثمار، وعن مواقع جديدة تربط إنتاجها بالأسواق الإقليمية والعالمية. والأردن يمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً، واستقراراً سياسياً وأمنياً، وعلاقات متوازنة مع مختلف القوى، بما يؤهله ليكون بوابة مهمة للصين إلى أسواق المنطقة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا تريد الصين من الأردن؟ السؤال الأهم هو: ماذا يستطيع الأردن أن يأخذ من الصين؟ ونستطيع أن نأخذ الكثير إذا أحسنّا التفاوض، ووضعنا الأولويات، وتحولنا من دولة تستقبل المشاريع إلى دولة تصنع الشراكات.
نريد استثمارات صينية حقيقية في الصناعة والطاقة والنقل والمياه والتكنولوجيا والبنية التحتية. نريد أن تدخل الشركات الصينية إلى الاقتصاد الأردني لا كمقاول ينفذ مشروعاً ثم يغادر، بل كشريك يستثمر ويصنّع ويشغّل الأردنيين وينقل المعرفة والخبرة والتكنولوجيا. نريد أن تتحول العلاقة مع بكين من تجارة تستورد فيها أسواقنا البضائع الصينية، إلى شراكة ننتج فيها داخل الأردن ونصدّر إلى المنطقة.
فالأردن لا يحتاج إلى استثمارات تضع الأرقام على الورق فقط، بل إلى استثمارات تصنع فرص العمل، وتفتح الأسواق، وتزيد الإنتاج، وتخفض كلفة الطاقة، وتدعم الصناعة، وتمنح شبابنا فرصة حقيقية للدخول إلى اقتصاد المستقبل.
ولأن الاقتصاد لا ينفصل عن الأمن والسياسة، فإن بناء علاقة استراتيجية متوازنة مع الصين يمكن أن يفتح للأردن آفاقاً أوسع أيضاً في مجالات التكنولوجيا والدفاع والأمن السيبراني والصناعات ذات الاستخدامات المتقدمة، ضمن ما يخدم المصالح الوطنية الأردنية ويحافظ على ثوابت المملكة وعلاقاتها الدولية.
وهذا لا يعني أن نختار الصين على حساب الآخرين، بل العكس تماماً؛ فقوة الأردن في أن تتعدد علاقاته لا أن تتحدد. يستطيع الأردن أن يحتفظ بعلاقاته التاريخية مع الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، وفي الوقت نفسه يوسّع شراكاته مع الصين والهند واليابان وكوريا وغيرها. العالم يتغير، والدول الذكية لا تنتظر حتى تتضح خريطة التحالفات الجديدة، بل تبني مواقعها داخلها منذ الآن.
فقد انتهى إلى حد كبير زمن الاقتصاد الذي تتحرك فيه الدول منفردة. هناك اليوم سلاسل توريد، وممرات اقتصادية، وموانئ، وشبكات طاقة، وتكنولوجيا، واستثمارات عابرة للحدود، وتحالفات اقتصادية تتداخل مع السياسة والأمن. ومن لا يملك موقعاً داخل هذه الشبكات سيجد نفسه خارج دائرة التأثير، حتى لو امتلك أفضل الخطابات السياسية.
ومن هنا، فإن التأخر في بناء علاقة اقتصادية أعمق مع الصين لا يخدم الأردن، والفرصة أمامنا ليست مفتوحة إلى الأبد. الصين تتحرك بسرعة، والدول من حولنا تتحرك بسرعة، والمنافسة على الاستثمارات والمشاريع والممرات التجارية لا تنتظر أحداً.
لذلك يجب أن تكون زيارة جلالة الملك إلى بكين بداية مرحلة؛ مرحلة نحتاج فيها إلى خطة أردنية واضحة تجاه الصين، تحدد القطاعات والمشاريع والاستثمارات والأهداف والجداول الزمنية، وتجمع الحكومة والقطاع الخاص والجامعات والمؤسسات الاقتصادية حول رؤية واحدة.
نحتاج أن نسأل أنفسنا بوضوح: ماذا نريد من الصين خلال خمس سنوات؟ كم نريد من الاستثمارات؟ ما القطاعات التي نريد تطويرها؟ ما المنتجات الأردنية التي يمكن أن تدخل السوق الصينية؟ كيف نستفيد من التكنولوجيا الصينية؟ كيف نحوّل موقع الأردن إلى قيمة اقتصادية؟ وكيف نجعل الشاب الأردني شريكاً في هذه العلاقة لا مجرد متفرج عليها؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون على الطاولة، فالأردن اليوم أمام فرصة لا يجوز أن تضيع في التفاصيل.
بكين ليست مجرد عاصمة بعيدة في الشرق، بل إحدى عواصم الاقتصاد العالمي، والطريق إليها ليس طريقاً سياسياً فقط، بل طريق للاستثمار والصناعة والتكنولوجيا والأسواق والطاقة والنقل والمعرفة. وقد يكون من الحكمة أن نعيد ترتيب البوصلة الاقتصادية الأردنية، وأن ننظر شرقاً بقدر ما ننظر غرباً، وأن ندرك أن العالم الجديد لا يقوم على محور واحد، ولا على قوة واحدة، ولا على سوق واحدة.
فمصلحة الأردن هي التي يجب أن تكون البوصلة، وأي دولة تستطيع أن تقدم له استثماراً حقيقياً، وسوقاً جديدة، وتكنولوجيا متقدمة، وفرص عمل، وشراكة تحترم مصالح الطرفين، ينبغي أن تكون أبوابها مفتوحة أمامه. والصين اليوم واحدة من أهم هذه الأبواب.
ولذلك، يجب أن تكون الطريق إلى بكين طريقاً اقتصادياً دائماً؛ تمشي عليه الاستثمارات الأردنية إلى الصين كما تمشي عليه الاستثمارات الصينية إلى الأردن، ويحمل البضائع والمعرفة والتكنولوجيا، ويعيد رسم موقع الأردن في اقتصاد المنطقة.
فإذا كانت السياسة تعرف كيف تقرأ موازين القوى، فإن الاقتصاد يجب أن يعرف كيف يقرأ موازين الفرص. والفرصة اليوم تقول بوضوح: من أراد أن يكون له مكان في اقتصاد الغد، فعليه أن يعرف أين ستكون مراكز القوة غداً، وبكين واحدة من تلك المراكز.
لذلك، علينا أن نسأل السؤال الذي سيحدد مستقبلنا: ماذا سنفعل نحن بعد أن يعود الملك من بكين؟.
فهنا تبدأ النتائج الحقيقية للزيارة، وهنا يبدأ الطريق، وهنا، ربما، تبدأ وجهة جديدة للاقتصاد الأردني...

























