اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

وائل منسي يكتب: حين تنهار السلطة.. هل يرث الأردن فراغ الضفة؟: فلسطين بين فساد الداخل ومشروع الضمّ والتهجير

وائل منسي يكتب: حين تنهار السلطة.. هل يرث الأردن فراغ الضفة؟: فلسطين بين فساد الداخل ومشروع الضمّ والتهجير
نبأ الأردن -
لم يعد السؤال الفلسطيني اليوم محصوراً في مستقبل غزة أو مفاوضات التسوية، بل انتقل إلى سؤال أكثر خطورة: ماذا يعني انهيار السلطة الفلسطينية، أو تفككها تدريجياً، بالنسبة للأردن؟ فالمشهد في الضفة الغربية يوحي بمسار متزامن: توسع استيطاني وضمّ فعلي للأرض، إضعاف متواصل للسلطة، تراجع شرعيتها الشعبية، وانسداد الأفق السياسي، بما قد يحوّل الضفة إلى مساحة جغرافية مجزأة بلا كيان سياسي قادر على إدارة السكان أو حماية الأرض.
الإعلان الإسرائيلي الأخير عن الاستيلاء على أكثر من 1150 دونماً في محيط سنجل واللبن الشرقية وقريوت ليس حادثة منفصلة، بل نموذج لآلية متكاملة تبدأ بالبؤرة الاستيطانية، ثم إعلان الأرض «أملاك دولة»، فإدخالها في منظومة التخطيط والطرق والبنية التحتية، وصولاً إلى تثبيت واقع استيطاني يصعب التراجع عنه. وبذلك لا يجري فقط تغيير خريطة الأرض، بل تفكيك المجال الجغرافي والسياسي الذي يفترض أن تقوم عليه الدولة الفلسطينية.
لكن أزمة السلطة ليست خارجية بالكامل.
فجزء من المأزق يرتبط بتآكل شرعيتها الداخلية، وضعف المساءلة، والاتهامات المتكررة بالفساد واستغلال النفوذ، فضلاً عن ممارسات أمنية عمّقت الفجوة بينها وبين قطاعات من المجتمع الفلسطيني.
وتكشف استطلاعات الرأي الأخيرة عن حجم هذه الأزمة؛ إذ تتراجع الثقة بالرئاسة والحكومة وحركة فتح، بينما يتسع العزوف السياسي.
وعندما يفقد النظام السياسي شرعيته الشعبية ويصبح بقاؤه مرتبطاً أكثر بقدرته الأمنية منه بقدرته على إنتاج التمثيل السياسي، فإنه يتحول تدريجياً من أداة لبناء الدولة إلى إدارة لأزمة الدولة.
وهنا تبرز المفارقة الأكثر إيلاماً: حين يصبح المواطن الفلسطيني خائفاً من أجهزة سلطته بقدر خوفه من الاحتلال، فإن السلطة تكون قد فقدت جزءاً جوهرياً من وظيفتها الوطنية. وتختصر الحكاية المتداولة عن أم فلسطينية تنتظر اقتحام بيتها ليلاً قولها: «يا رب يكونوا اليهود»؛ وهي، بصرف النظر عن دقة الرواية، تختزل انهيار الثقة الذي يمكن أن يصل إليه المجتمع عندما تنفصل مؤسسات السلطة عن وظيفتها الأخلاقية والوطنية.

ومن المهم هنا التمييز بين نقد السلطة ومشروعيتها السياسية وبين إنكار القضية الفلسطينية. ففساد السلطة أو عجزها لا يسقط الحقوق الوطنية الفلسطينية، كما أن انهيار السلطة لا يعني انتهاء فلسطين؛ لكنه قد يعني انتهاء الصيغة السياسية التي نشأت في ظل أوسلو، وفتح الباب أمام ترتيبات جديدة أكثر خطورة.
ولديّ، شخصياً، تجربة مبكرة جعلتني أرى هذه الإشكالية من زاوية مختلفة.
خلال زيارتي للقدس عام 1994، في إطار عمل إعلامي وتسويقي مرتبط بالتوسع المصرفي في الضفة وغزة، وقد زرت كل مدنها ومناطق غزة، كنت أقيم في القدس وأتابع المشهد الإعلامي الفلسطيني عن قرب.
في تلك الفترة كان الأردن يؤدي دوراً مباشراً وملموساً في حماية المقدسات، وكان الملك حسين قد بادر إلى ترميم قبة الصخرة وتجديد فرش المسجد الأقصى، فيما كانت العلاقة بين بعض قيادات السلطة الناشئة والأردن تشهد توتراً ومزايدات سياسية حول الوصاية الهاشمية.

وفي مقر صحيفة النهار في القدس، عايشت بنفسي واقعة مرتبطة بجبريل الرجوب، الذي كان آنذاك يشغل موقعاً أمنياً بارزاً في السلطة، أرسل بياناً شديد اللهجة ضد الأردن والملك حسين، ورفضت الصحيفة نشره، ثم جرى اتصال مباشر برئيس التحرير أمامي في مكتبه تضمن تهديداً بإغلاق الصحيفة. وبعد فترة قصيرة أُغلقت الصحيفة فعلاً.

لا أطرح هذه الواقعة باعتبارها دليلاً منفرداً على مسار سياسي كامل، وإنما باعتبارها شهادة شخصية على طبيعة العلاقة المتوترة آنذاك بين السلطة الناشئة وبعض مراكز القوة فيها وبين الدور الأردني في القدس.
ومن هنا تبدو عبارة «أنقذنا القضية الفلسطينية من الضياع» لجبريل الرجوب بحاجة إلى مراجعة تاريخية وسياسية هادئة: هل أنقذت السلطة القضية فعلاً، أم أنها حافظت على إطار سياسي مؤقت أصبح مع الزمن بديلاً عن مشروع التحرر الوطني؟ وهل استطاعت بناء مؤسسات دولة، أم نشأت بنية بيروقراطية وأمنية واقتصادية ارتبط استمرارها ببقاء الوضع الانتقالي نفسه؟
الأردن هو الطرف الأكثر تعرضاً لارتدادات أي انهيار في الضفة.
فغياب السلطة لا يعني تلقائياً قيام دولة فلسطينية بديلة، بل قد يعني فراغاً أمنياً وسياسياً على الحدود الغربية للأردن، يتزامن مع التوسع الاستيطاني والضم التدريجي.
وفي أسوأ السيناريوهات قد تتحول الضفة إلى منطقة مفتوحة أمام التهجير القسري أو «التهجير الناعم» عبر خنق الاقتصاد، ومصادرة الأرض، وتقييد الحركة، وتفكيك مقومات الحياة.
وهنا يصبح الخطر على الأردن متعدد الطبقات: أمن الحدود، الضغط الديموغرافي، الاقتصاد، المياه، التجارة، اللاجئون، الوصاية الهاشمية، والاستقرار الداخلي. وأخطر ما في السيناريو ليس بالضرورة مشهد نزوح جماعي مفاجئ، بل عملية بطيئة تستنزف الضفة وتدفع السكان إلى الرحيل تدريجياً، بينما يصبح الأردن الطرف الذي يُطلب منه إدارة نتائج أزمة لم يصنعها.
لذلك، فإن التعامل الأردني مع الملف الفلسطيني لا ينبغي أن يبقى في إطار ردود الفعل الدبلوماسية التقليدية.
المطلوب مقاربة أمن قومي شاملة تعتبر أن استقرار الضفة جزء من استقرار الأردن، وأن بقاء الفلسطينيين على أرضهم مصلحة أردنية استراتيجية، وأن قيام كيان فلسطيني قابل للحياة ليس شأناً فلسطينياً فقط بل مكوّن من مكونات الأمن الوطني الأردني.
وفي المقابل، تحتاج الساحة الفلسطينية إلى مراجعة عميقة لا تختزل في استبدال شخص بشخص أو فصيل بفصيل؛ بل في إعادة بناء الشرعية على أساس الانتخابات، والمساءلة، واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وإعادة تعريف وظيفة الأجهزة الأمنية، وربط السلطة بمشروع وطني لا بإدارة الانقسام والاحتلال.
إن الخطر الحقيقي على الأردن لا يبدأ يوم تُعلن فيه نهاية السلطة الفلسطينية؛ بل يبدأ عندما تصبح السلطة عاجزة عن تمثيل شعبها، والضفة عاجزة عن إنتاج اقتصادها وأمنها السياسي، والاستيطان قادراً على ابتلاع جغرافيتها قطعةً قطعة. عندها لا يعود السؤال: «هل ستنهار السلطة؟»، بل: من سيدير الفراغ؟ ومن سيدفع ثمنه؟
وهنا تحديداً ينبغي أن يفكر الأردن استراتيجياً: ليس في كيفية التعامل مع انهيار محتمل فحسب، بل في كيفية منع تحوّل الضفة الغربية إلى فراغ سياسي وأمني وديموغرافي يُدفع بالأردن إلى أن يكون الطرف الذي يرث الأزمة، بدلاً من أن يكون شريكاً في صناعة الحل.
#وائل #منسي
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions