راكان السعايدة يكتب: إعادة بناء الحياة السياسية في الأردن، ضرورة أم ترف؟
نبأ الأردن -
هذا ليس سؤالاً نخبوياً يشغل تفكير طبقات سياسية وثقافية تنظر إلى الأشياء من الأعلى، وإنما، أيضاً، هو سؤال العامة الذين، وإن شغلتهم همومهم الحياتية، إلا أنهم، في ذات الوقت، يملكون إدراكاً عميقاً أن هذه الهموم ليست معزولة أو منفصلة عن السياق العام بل نتاجه.
هذا السياق يراه العامة ممتلئاً بالتشوهات، والتناقضات، والمحبطات، ويرون ان تراكم التراجع فيه أدت إليه نخبة قيادية فيها الضعيف غير القادر، وفيها المنفصل عن الواقع، ومؤسسات بدا وكأن إضعافها صمم بإحكام، دون الاعتبار لمعنى وأثر ذلك على الدولة بمفهومها الشامل.
الأمر لا يحتاج إلى فائض ذكاء ولا عقل استثنائي لتشخيصه وفهم طبيعته وأسبابه، فالمجال السياسي العام يعاني من سوء مدخلاته وحكماً مخرجاته، ما أدى إلى ضعف الثقة بالحاضر والقلق من المستقبل.
بمعنى، ضعف المجال السياسي ليس مشكلة مؤسسة واحدة، بل مشكلة بنية سياسية كاملة، وإعادة بنائها أصبحت جزءاً من حماية الدولة ومنعتها.
ما الدليل..؟
كل شؤوننا السياسية والاقتصادية والاجتماعية تعاني من مشاكل وتبدو غير سوية، وهذا أنتج مساراً غير منتظم، لا تعرف كيف يبدأ وإلى أين سينتهي، وما سينتج عنه.. خذ مثلاً:
أولاً: إن نظرة موضوعية لأداء مجلس النواب تكشف تراجعاً مطرداً في مستواه البياني منذ برلمان 1993، ويكفي ملاحظة ضعف الدورين الأساسيين للبرلمان: التشريع والرقابة.
ما بدا للعامة أن البرلمان الذي هو خيارهم، ونتاج مفترض لأصواتهم، لم يعد أداتهم التي فوضوها لتشارك في الحكم وإدارة شؤون الدولة؛ لا في صياغة التوجهات، ولا في تصميم السياسات، ولا في المساهمة بالقرارات.. أكثر من ذلك، باتوا يرونه عبئاً عليهم وسبباً في المس بمصالحهم.
إذا كان هذا حال سلطة محصنة وممكن لها دستورياً لتشرع وتراقب، فهل يطلب من "الأعيان" ما لم يقدر عليه"النواب"؟.
ثانيا: ولأن التراجع سمة طبعت المجال العام، فالنقابات المهنية ليست أحسن حالاً، هي أيضاً شهدت تحولات كبيرة؛ فلا هي بقيت فاعلاً سياسياً وطنياً يملأ فراغ غياب الحزبية الحقيقية، ولا هي أحدثت تغييرات جوهرية في واقعها المهني.
لقد فقدت النقابات المهنية تأثيرها الفردي والجمعي، بعد أن فقدت القدرة على مقاومة محاولات إلزامها التخلي عن فاعليتها السياسية لصالح الاشتغال بالمهنة بوصفه الأساس الذي بُنيت عليه ولأجله.
في كل المراحل، انخرط نقباء وقاوموا الاستماتة لحرف مسار النقابات عن نمطها وسياقها التاريخي، وكان هؤلاء الأكثر تعبيراً والأقوى حجة في محاولة إقناع الدولة بأن عمل النقابات السياسي لا يؤثر سلباً ولا يتعارض مع دورهم المهني، إلا أن أحداً لم يسمع لهم.
في النهاية، ومع الوقت وهندسة المخرجات استسلمت النقابات، وسلمت راية العمل السياسي دون أن تملأ أي جماعة حزبية الفرغ الذي خلفته وراءها.
ثالثاً: هل الأحزاب أفضل حالاً؟. حتماً لا، ففي الحياة الحزبية من الرخاوة والسطحية الكثير، وبالكاد تُرى أو يلمس لها أثراً، وكأن أحداً لا يرغب بوجود حالة حزبية وازنة ومتزنة ومؤثرة.
لدرجة يخيل فيها للمراقب ان البعض ينظر إليها وكأنها هياكل فائضة عن الحاجة، ولا لزوم لها، إلا لضرورات سياسية شكلية.
ربما هذا ما أسهم في إفراغها من مضمونها، وحولها، فعلاً لا قولاً، إلى مجرد كيانات صنع بعضها وحجم الآخر.
فلا الأحزاب العقائدية التاريخية بقيت قادرة على الفعل المؤثر، ولا الأحزاب الوسطية أدت الغرض من وجودها، ذلك لأنها بالأساس منفصلة عن الشارع ولم تكن نتاج تفاعلاته.
السؤال: إذا كانت الساحة الحزبية تكاد تكون محصورة بحزب واحد أكثر ذكاء وحنكة وفعالية، وأقصد (حزب الأمة)، على ما عليه من ملاحظات، فما هي الحياة الحزبية التي سعت الدولة إليها؟.. هذا سؤال برسم الإجابة.
هنا نسأل: هل هذا كل شيء؟
لا، ما نقرأه في البرلمان والنقابات والأحزاب، باختلاف الظروف والمؤثرات، نقرأه ذاته في نمط بناء الحكومات وطرق وأساس تشكيلها، والذي بات إنتاجها الكلامي يفوق منجزاتها، ولا شيء يعلو على تدوير كراسيها.
والإعلام التقليدي، هناك حرص غير مفهوم على تحييده لصالح التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، الذي ولد بعضه مشوهاً.
ومؤسسات مجتمع مدني أغلبها يضع حسابات الدول التي تموله فوق الحسابات الوطنية.
وغيرها.. وغيرها من الأطر الوطنية التي يفترض أن تكون فاعلة ولها دورها في المجال العام.
ما الذي نريده..؟
ما نريده معطوف على سؤال البداية: إعادة بناء الحياة السياسية في الأردن، ضرورة أم ترف؟
الإجابة التي لا تحتمل أن نواربها، أو نتذاكى في صياغتها، هي: نعم، ونعم كبيرة. إن المصلحة الوطنية، بكل تعبيراتها ومفاهيمها، تقول إن إعادة بناء الحياة السياسية هي الأساس الأعظم في تحقيق منعة وطنية في كل الظروف، فكيف إذا كانت الظروف في الإقليم، وما يجري في فلسطين، يجلب المخاطر إلى بلدنا تباعاً؟
إن مصلحة الدولة أن يكون عندها سلطة تشريعية قوية، ونقابات مهنية فاعلة، وأحزاب مؤثرة، وإعلام متمكن.
وبغير ذلك، لن تكون الدولة، بكل مكوناتها، قوية وقادرة على الاشتباك مع الصعاب والأخطار، فحشد الطاقات يراد له ظروف ذاتية وموضوعية تأخذ الجميع طواعية لا بالأكراه أو الإفتعال لتصليب الداخل، والتضحية في مواجهة كل خطر خارجي.
إن للديمقراطية شروطها ومتطلباتها، وهي مفهوم لا يقبل التأويل، فلا يمكن أن تكون ديمقراطياً في شأن وقمعياً في آخر، وتقبل رأياً في أمر وترفضه في غيره.. هذا لا يجوز ولا يقبله منطق.
الحياة السياسية، في الدول التي تثق بنفسها، تتسع للجميع، وتحتمل الخلاف والاختلاف، والرأي والرأي الآخر، وتعدد المواقف والاجتهاد والأفكار، فكله يثري التوجهات والسياسات والقرارات ذات الشأن العام، طالما المصلحة العامة هي الأساس الذي يحرك الجميع.
ما أريد قولة: قوة الدولة لا تُقاس بغياب الاختلاف، وإنما بقدرتها على إدارته وتحويله إلى طاقة وطنية منتجة.
وعلى أساسه، فإن إعادة بناء الحياة السياسية ليست سؤالاً عن مسألة هامشية طرفية يمكن تأجيلها، وإنما سؤال عن الأردن نفسه: كيف نريده؟ وكيف نريد مجتمعه مؤسساته؟ وكيف يكون صلباً من الداخل لمواجهة الصعب القادم من الخارج؟.
فقوة بلدنا ومنعته تكون من خلال حياة سياسية لها نسق مستقر ومنتظم، وتتطور تصاعدياً وتراكمياً.. وبالمختصر: إعادة بناء الحياة السياسية النقطة الأساس في إعادة بناء قوة الدولة نفسها.

























