الدكتور عطاالله الشرعة يكتب: من غرائب الإدارة الأردنية… كفاءات تُحال للتقاعد ومتقاعدون يُستدعون للوظيفة! فأين العدالة؟
نبأ الأردن -
من غرائب الإدارة الأردنية أن نمتلك جهازاً حكومياً مليئاً بالكفاءات والخبرات، ثم نتصرف أحياناً وكأننا لا نملك من يستطيع إدارة مؤسساتنا إلا من يأتي إليها من خارجها. موظف أمضى عشرين أو ثلاثين عاماً في وزارة، وتدرج في مواقعها، وحصل على مؤهلات علمية ودورات وخبرات متراكمة، ويعرف تفاصيل مؤسسته وملفاتها من الداخل، ثم عندما يصل إلى موقع قيادي يُتجاوز لصالح شخص يأتي من خارج المؤسسة. وفي الوقت نفسه، نرى أحياناً مسؤولين أثبتوا نجاحهم في مواقعهم يُحالون إلى التقاعد أو يُبعدون عن مواقعهم دون أن يعرف الناس ما إذا كان القرار مبنياً على تقييم حقيقي للأداء أم على مجرد تغيير إداري. وهنا السؤال ليس عن شخص بعينه، وإنما عن فلسفة إدارة الدولة للكفاءات: هل نكافئ النجاح ونبني عليه، أم نتعامل مع الخبرة وكأنها عبء يجب التخلص منه؟
أنا مع تطبيق قانون التقاعد على الجميع دون تمييز، ولا أطالب ببقاء أي شخص في الوظيفة العامة إلى ما لا نهاية، لكنني ضد أن تتحول الإحالة إلى التقاعد إلى وسيلة لإهدار الكفاءات. هناك محافظون ومسؤولون أثبتوا خلال عملهم أنهم قريبون من الناس، قادرون على إدارة الملفات والأزمات، ويحظون باحترام مجتمعاتهم، ومنهم فراس أبو قاعود وحسن الجبور وغيرهما. قد يكون التغيير حقاً أصيلاً للجهة صاحبة القرار، لكن من حقنا أن نسأل: لماذا نُخرج مسؤولاً ناجحاً وهو في قمة عطائه؟ وهل جرى تقييم تجربته قبل اتخاذ القرار؟ وهل البديل أكثر كفاءة؟ الإدارة الرشيدة لا تعني أن يبقى المسؤول في موقعه للأبد، لكنها أيضاً لا تعني أن نُحيل الناجح ونبدأ البحث بعد ذلك عن بديل قد يحتاج أشهراً أو سنوات حتى يكتسب الخبرة التي كانت متوافرة لدينا.
وفي المقابل، أرى أن الوقت قد حان لإعادة النظر بجدية في التوسع بتعيين المتقاعدين العسكريين في المناصب المدنية العليا. هذا الموقف ليس انتقاصاً من المؤسسة العسكرية ولا من رجالها، بل على العكس، هو تقدير لطبيعة دورها ورسالتها. من خدم سنوات طويلة في القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية أدى واجبه الوطني ويستحق كل الاحترام والتقدير، لكن الوظائف المدنية العليا يجب أن تكون في الأصل امتداداً لمسار الإدارة المدنية، وأن تُفتح أمام الموظفين الذين أمضوا عشرين وثلاثين عاماً داخل الوزارات والمؤسسات الحكومية واكتسبوا الخبرة والتخصص وعرفوا تفاصيل العمل من داخله. لا يعقل أن يشعر الموظف المدني أن سقف طموحه يتوقف عند مستوى معين، ثم يأتي شخص من خارج الجهاز ليتولى الموقع الذي كان يفترض أن يكون محطة طبيعية في مساره الوظيفي. وإذا كانت هناك حالة استثنائية تحتاج فعلاً إلى خبرة شخص من خارج الجهاز، فلتكن استثناءً حقيقياً ومسبباً وواضحاً، لا قاعدة عامة.
المطلوب اليوم ليس حرباً على وزير الداخلية ولا حملة على أي شخص، فالمشكلة أكبر من الأسماء وأوسع من الوزراء والمحافظين. المطلوب هو إصلاح فلسفة الإدارة الأردنية نفسها، بحيث يكون معيار التعيين هو الكفاءة والخبرة والتخصص والحاجة الفعلية، وليس العلاقات أو المحسوبية أو الانتماء السابق لمؤسسة بعينها. نريد قانوناً يطبق على الجميع، ونريد عدالة في التقاعد، ونريد أن نعرف لماذا يُحال مسؤول ناجح إلى التقاعد بينما يُستدعى آخر بعد تقاعده إلى وظيفة عامة جديدة. ونريد أن نعطي أبناء الجهاز المدني فرصتهم العادلة، وأن نحافظ في الوقت نفسه على خبرات كل من خدم الوطن، ولكن من خلال وسائل مؤسسية واضحة لا تجعل الوظيفة المدنية امتداداً تلقائياً لأي مسار آخر. الأردن لا ينقصه الرجال ولا تنقصه الكفاءات، وإنما يحتاج إلى إدارة تعرف كيف تحافظ على المتميز، وكيف تفتح الطريق أمام الجيل الجديد، وكيف تضع الشخص المناسب في المكان المناسب. غيّروا ما يجب تغييره، وأبقوا على ما يستحق البقاء، وطبقوا القانون على الجميع، وتوقفوا عن إهدار الخبرة.

























