عبدالله بني عيسى يكتب : من قلق الهوية إلى ثقة الهوية
نبأ الأردن -
ربما حان الوقت لأن نعيد طرح سؤال الهوية الوطنية الأردنية بطريقة مختلفة تماماً. لدينا أسئلة حقيقية ومشروعة تتعلق بالهوية، وبعضها سياسي وديموغرافي وتاريخي لا يجوز إنكاره أو السخرية منه. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول السؤال المشروع إلى قلق هوياتي دائم ومرضي، ثم يتحول القلق إلى حالة من التمترس والتحشيد، ثم إلى خصومة، فنصبح في النهاية مجتمعاً يدافع كل جزء منه عن نفسه في مواجهة الأجزاء الأخرى.
وبما أن أسئلة الهوية مرتبطة بواقع جيوسياسي بالغ التعقيد، تشير معطياته إلى انه سيطول، وأنه لابد من التعامل مع نتائج هذا الواقع بطريقة تحفظ الكيان الأردني وصموده وبقائه باعتبار ذلك مصلحة للجميع، فإنني أقترح- ولو مرحليا- أن ننقل مركز النقاش من سؤال: من هو الأردني؟ إلى سؤال أكثر إلحاحاً، ونحتاجه بشدة لتجاوز حالة الاستعصاء المعيشي والنهضوي، وهو: كيف يكون الأردني؟
أي بدلاً من الاستنزاف في تعريف الناس وتصنيفهم، لنتوافق على تعريف الشخصية الوطنية الأردنية التي نريدها.
الأردني الذي نريده مواطن يحترم القانون ولا يبحث عن واسطة لكسره، يرفض الرشوة والفساد والكذب والتكسب غير المشروع، ينتج ويتعلم ويطور مهاراته، يحترم المال العام وحقوق الآخرين، يعتز بوطنه من دون أن يحتاج إلى إهانة وطن آخر، ويتمسك بهويته من دون أن يزدري هوية غيره.
أردني يؤمن بحقه في الاختلاف بالقدر نفسه الذي يؤمن فيه بحق الآخرين في الاختلاف عنه.، ودون المساس بالقاعدة الأهم: قد نختلف من أجل الوطن لا عليه، وبهذا العنى يمكن احتمال كل أشكال الاختلاف ما دامت لا تصل إلى حد المساس بالأمن الوطني لحساب أي دولة أو جهة أو فصيل أو فكرة.
بهذا المعنى تصبح الأخلاق والإنتاجية وسيادة القانون واحترام الإنسان ركائز للهوية، وليست مجرد شعارات ترفع في الإنشائيات.
فالهوية الأردنية ليست خفيفة إلى الحد الذي يهددها فيه فيديو عابر، أو أغنية في حفل، أو مباراة كرة قدم، أو طبق طعام، أو رأي على مواقع التواصل، او حتى شتيمة تأتينا من خارج الحدود، وهي أيضاً ليست «مخلب قط» نخرجه كلما أردنا التهويش على أحد.
إنها أكثر رسوخاً من ذلك بكثير. وحين تتعرض البلاد لخطر حقيقي، لا لخطر تصنعه خوارزميات السوشيال ميديا، يثبت الأردنيون – كل الأردنيين- مراراً أنهم يعرفون أين يقفون، ودون بلادهم أرواحهم وأبدانهم وكل ما يملكون.
وفي المقابل، لا يجوز التعامل باستخفاف مع مشاعر الناس الوطنية. من حق الأردني أن يحتفل بعلمه ودولته وتاريخه ومناسباته ورموزه، ومن حق آخر ألا يشارك في الاحتفال؛ لكن ليس من حق أي منهما أن يحوّل اختياره إلى أداة لإهانة الآخر أو التشكيك فيه.
نحتاج، باختصار، إلى الانتقال من هوية الخوف إلى هوية الثقة والانجاز، ليس إلغاءً لهوية النسب بل تكرياً لها بتعزيز هوية السلوك.
وهذا لا يلغي الأسئلة السياسية الصعبة المتعلقة بالهوية، بما فيها ما يتصل بقوانين الانتخاب والتمثيل والمواطنة والتوازنات الاجتماعية. هذه قضايا يجب مناقشتها بواقعية ووضوح، لكن من دون أن نحولها إلى حرب تعريفات بين الأردنيين. فالقاعدة التي ينبغي أن نبدأ منها بسيطة:
لا ننكر مخاوف أحد، ولا نسمح لمخاوف أحد بأن تتحول إلى حق في إقصاء الآخرين.
ربما يكون هذا هو مشروع الهوية الذي نحتاجه الآن: ليس البحث عمن نطرده من تعريف «الأردني»، بل البحث عما ينبغي أن نضيفه إلى هذا التعريف، وأظن أننا سنكسب كثيرين تحت ظل هذا المشروع.
أن يكون الأردني منتجاً، نزيهاً، حراً ومسؤولاً، معتزاً ببلاده، واثقاً بهويته، مؤمناً بالقانون، وقادراً على العيش مع المختلف عنه.
عندها فقط تصبح الهوية قوة لجمع المجتمع، لا مادة إضافية لشقّه.

























