اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

يوسف الطورة يكتب: اللي مش عاجبه المجلس يستقيل ويطلع.. ديمقراطية على طريقة القاضي

يوسف الطورة يكتب: اللي مش عاجبه المجلس يستقيل ويطلع.. ديمقراطية على طريقة القاضي
نبأ الأردن -
يبدو أن مجلس النواب دخل مرحلة جديدة من الديمقراطية عنوانها إما أن تتحدث بما يعجب الرئيس شخصياً، أو تحمل استقالتك وتطلع.

بعد سنوات من الحديث والخطب عن الديمقراطية، وتعدد الآراء، وحق النائب في الرقابة والتشريع، وصون هيبة المجلس، اكتشفنا أن هناك خياراً ثالثاً لم يكن مدرجاً في النظام الداخلي "إذا لم يعجبك المجلس فالباب واسع".

في حديث مازن القاضي للنواب "اللي مش عاجبه المجلس يستقيل ويطلع"، وهي عبارة تصلح لأن تكون عنواناً مختصراً لمدرسة جديدة في إدارة الجلسات والخلاف، لا داعي للنقاش، ولا وجع رأس بالاعتراض، ولا إضاعة وقت في الاستماع إلى رأي مخالف، الاستقالة أقرب طريق إلى إنهاء الجدل.

رسالة القاضي أثارت جدلاً واسعاً في الشارع الأردني، لما تحمله من دلالات حول طبيعة إدارة الجلسات والعلاقة بين رئاسة المجلس وأعضائه، خصوصا أنها جاءت رداً على مقولة وردت في حديث برلماني دعا إلى "صون المتبقي من هيبة المجلس".

وبهذا المنطق قد يصبح جدول أعمال المجلس في المستقبل بسيطاً جداً، بند أول للتشريع، وبند ثاني للرقابة، وبند ثالث بعنوان "من لديه اعتراض فليتفضل بالخروج أو الاستقالة".

المفارقة أن العبارة جاءت في سياق حديث عن "صون ما تبقى من هيبة المجلس"، وهنا تحديداً تكمن المفارقة الساخرة، لأن هيبة البرلمان لا تصان بإسكات المختلف، ولا بإشعار النائب أن الاعتراض على طريقة إدارة الجلسة يعني الاعتراض على المجلس نفسه.

ولعل المتابع يدرك جدلية إدارة القاضي لجلسات المجلس خصوصا مع احد التيارات الحزبية، وهو ما يطرح تساؤلاً حقيقاً هل المطلوب من الرئيس أن يدير الجلسات فقط، أم أن يدير أيضا مساحة الاختلاف داخل المجلس؟.

من حق الرئيس أن يحافظ على النظام، ويضبط إيقاع الجلسات، وأن يمنع الفوضى أو الخروج عن جدول الأعمال، لكن ضبط الجلسة لا يعني اختصار الخلاف بعبارة من نوع "من لا يعجبه المجلس فليستقل".

في المقابل فإن مسؤولية النائب تفرض عليه أيضا أن يمارس حقه في الاختلاف بعيداً عن الفوضى أو التجريح أو تعطيل أعمال المجلس، فالمعادلة المطلوبة ليست بين "رئيس قوي" و"نواب صامتين"، ولا بين حرية مطلقة وفوضى، وإنما بين إدارة تدير الخلاف السياسي لا أن تخلقه، واحترام كامل لحق النائب ضمن النظام والدستور.

ثمة فارق بين ضبط الجلسة وضبط النواب، وبين إدارة الاختلاف ومحاولة التخلص منه، المشكلة تبدأ عندما تتحول إدارة الجلسة من تنظيم للخلاف إلى محاولة لإلغائه، وعندما يصبح الاعتراض على أداء المجلس وكأنه اعتراض على وجود المجلس نفسه، فالمؤسسة البرلمانية تقوى بالاختلاف المنضبط، لا بإسكات المختلفين.

الحقيقة أن النائب أمام معادلة صعبة فإذا اعترض قيل له لا تعطل الجلسة، وإذا ناقش قيل له اختصر، وإذا رفع صوته قيل له التزم بالنظام، وإذا لم يعجبه كل ذلك فالحل وفق وصفة القاضي جاهز "استقيل وأطلع"

قوة رئيس المجلس لا تقاس بقدرته على إسكات النواب، أو الخصوم السياسيين وإنما بقدرته على إدارة اختلافاتهم، وحفظ هيبة المجلس دون أن تتحول الهيبة إلى تضييق على النقاش.

فالنائب الذي يختلف مع رئيس المجلس لا يحتاج إلى أن "يستقيل ويطلع" بل يحتاج إلى أن يجد داخل قبة البرلمان مساحة يقول فيها أنا مختلف.

وهنا تحديداً تكمن قيمة البرلمان أن يبقى الخلاف داخله، لا أن يدفع المختلفون إلى خارجه.

أما قاعدة "اللي مش عاجبه يستقيل ويطلع"، فإذا اعتمدناها فعلاً فقد نصل يوماً إلى مجلس نواب لا يختلف فيه أحد ليس لأن الجميع متفقون، بل لأن الغالبية "طلعوا".
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions