م.صلاح طه عبيدات يكتب: حين ينتحر الشعر على سهول إربد
نبأ الأردن -
هل غادر الشعراء... أم انتحر الكتّاب على سهول إربد؟
لست أدري!
لكنني أشعر أن شيئاً ما انكسر في الأغنية الأردنية؛ شيءٌ أعمق من اللحن، وأخطر من تعثر الكلمات. انكسر المعنى، وحين يسقط المعنى من الأغنية، لا يبقى منها سوى حنجرةٍ تصرخ، وإيقاعٍ يركض، وكلماتٍ تتكاثر كالغبار.
متى أصبح الوطن أغنيةً للجهوية؟
شمالٌ في مواجهة جنوب، وجنوبٌ يستفز شمالاً، وكأن الأردن لم يكن يوماً وطناً واحداً، بل قطعاً متجاورة تتنافس على تصفيق الجمهور!
هذه ليست أغنية وطنية؛ هذه هزيمة فكرية ملحّنة.
فالجهوية حين تدخل الفن لا تصبح مجرد مفردةٍ في النص، بل تتحول إلى مرضٍ في الوعي. ومن يختزل الوطن في جهة، أو القبيلة في مقابل الوطن، أو المدينة في مواجهة المدينة، إنما يعلن ــ من حيث يدري أو لا يدري ــ إفلاسه عن رؤية الأردن بوصفه كياناً إنسانياً وتاريخياً واحداً.
إن الفن العظيم لا يبني جداراً بين شمالٍ وجنوب؛
إنه يهدم الجدران التي في الرأس قبل أن يهدمها على الأرض.
وإربد ليست بحاجة إلى أغنيةٍ ترفع اسمها في وجه مدينةٍ أخرى، ولا إلى كلماتٍ تستجدي العصبية الجغرافية كي تصنع جماهيريةٍ رخيصة.
إربد تحتاج إلى شاعرٍ يعرف ماذا يعني أن يقف على أرضٍ مرّت فوقها قرونٌ من التاريخ، وأن ينظر إلى سهول حوران لا بوصفها حدوداً جغرافية، بل بوصفها ذاكرةً مفتوحةً للقمح والإنسان والحضارة.
حين تكون إربد موضوعاً للأغنية، ينبغي أن يستيقظ التاريخ من نومه، وأن تدخل اللغة حقول القمح، وأن تستعيد القصيدة رائحة الأرض، وأن يتحول المكان من عنوانٍ جغرافي إلى كائنٍ حيّ يسكن الوجدان.
قل لإربد ما شئت، ولكن لا تظلمها بكلماتٍ صغيرة.
قل لها:
إن في ترابك ذاكرة شاعر،
وفي سهولك خبز أم،
وفي حجارتك خطى الآباء،
وفي سمائك امتداد وطن.
أما أن تختزلها في صرخةٍ جهوية، أو تجعل اسمها منصةً لإثارة العصبية، فذلك ليس حباً للمدينة؛ بل إهانةٌ لها باسم الحب.
المشكلة ليست أن الكلمات قليلة؛ فالكلمات أكثر من أن تُحصى.
المشكلة أن المعنى أصبح نادراً.
والشعراء لم ينقرضوا؛ لكن بعض المنابر أصبحت تبحث عن الأكثر صخباً لا الأكثر إبداعاً، وعن الأكثر إثارةً لا الأكثر قيمة، وعن العبارة التي تشعل التصفيق لا تلك التي توقظ الضمير.
وهنا تقع الكارثة:
حين يصبح معيار نجاح الأغنية عدد مرات تداولها، لا قدرتها على البقاء في الذاكرة؛ وحين يصبح الفنان أسيراً للسوق، يصبح الوطن نفسه سلعةً موسيقية قابلةً لإعادة التعبئة والتغليف.
أين الرقابة الثقافية؟
وأين المؤسسات التي يفترض أن تحرس الذوق العام؟
وأين النقاد الذين يقولون للفنان: ليس كل ما يمكن أن يُغنّى يستحق أن يُغنّى؟
نحن لا نريد وصايةً على الفن، ولا شرطةً على الخيال؛ نريد فقط أن نتذكر أن الحرية لا تعني أن يصبح الابتذال فناً، وأن الشهرة لا تمنح الكلام شهادة ميلاد أدبية.
فالفنان الذي يتغنى بوطنه يحمل مسؤوليةً أكبر من حنجرته؛ إنه يحمل صورة الوطن إلى ذاكرة أبنائه.
ومن يزرع في تلك الذاكرة جهوياتٍ صغيرة، يشارك ــ ولو من حيث لا يقصد ــ في تفتيت صورة الوطن الكبير.
الأردن أكبر من أغنيةٍ جهوية،
وأعمق من لازمةٍ سوقية،
وأجمل من أن يُختصر في حفلةٍ عابرة.
وإربد، مدينة الأدب ومربد الشعر وموئل الفكر، لا تستحق أغنيةً تتكلم عنها بلسان السوق؛ بل تستحق قصيدةً تتكلم بلسان التاريخ.
نريد من الفنان أن ينظر إلى حوران، فيرى فيها شموخ الأرض لا حدود الجغرافيا؛ وأن يرى في القمح فلسفةً، وفي الفلاح أسطورةً، وفي المدينة ذاكرةً، وفي الوطن مصيراً مشتركاً.
فالأغنية التي لا ترفع ذائقتنا، لا تخفضها فقط؛
إنها تدربنا على الرداءة.
وحين نتدرب طويلاً على الرداءة، يصبح الجميل غريباً، ويصبح العميق ثقيلاً، ويصبح الوطن نفسه بحاجةٍ إلى من يعيد تعريفه في وجدان أبنائه.
لذلك، لا تسألوا فقط:
لماذا تتراجع الأغنية الأردنية؟
اسألوا السؤال الأكثر قسوة:
ماذا حدث للإنسان الأردني الذي كان ينتظر من الأغنية أن تمنحه معنى، فإذا بها تمنحه ضجيجاً؟
عندها فقط سنعرف أن أزمة الأغنية ليست أزمة مطربٍ ولا شاعرٍ ولا ملحن...
إنها أزمة ذائقةٍ ووعيٍ وذاكرة.
وحين يصل الخراب إلى الذاكرة، يصبح الصمت أحياناً أكرم من أغنيةٍ تسيء إلى وطنٍ كان يستحق أن يُغنّى له كما تُكتب القصائد الكبرى:
بالحب... لا بالجهوية؛
بالتاريخ... لا بالابتذال؛
وبالوطن... لا بأشباه الوطن.
























