د. نضال المجالي يكتب: ألفا عام من تعميد المسيح… والجاهزية هي الامتحان الحقيقي
نبأ الأردن -
ليست كل المناسبات قابلة للتكرار، ولا كل الأحداث تحمل من الرمزية ما يجعلها محطة في ذاكرة العالم، واحتفالية مرور ألفي عام على عماد السيد المسيح ليست مجرد مناسبة دينية أو فعالية سياحية، بل حدث عالمي استثنائي يضع الأردن أمام مسؤولية تاريخية، وفرصة لا تتكرر لإبراز المكان الذي شهد إحدى أهم المحطات في التاريخ المسيحي.
إن مرور ألفي عام على عماد السيد المسيح يمنح الأردن فرصة ليقدم للعالم روايته الحضارية، باعتبارها حقيقة راسخة يحتضنها موقع المغطس، الذي يمثل قيمة دينية وإنسانية تتجاوز الحدود والجغرافيا، وتلامس وجدان ملايين المؤمنين حول العالم.
لكن أهمية المناسبة تفرض سؤالاً أكبر من الاحتفال نفسه: هل نحن جاهزون؟
فالنجاح لن يُقاس بعدد الوفود أو حجم الفعاليات والمشاريع، فهي ليست بطولة رياضية تنتهي بانتهاء آخر مباراة، بل مناسبة يفترض أن تكون نقطة تحول في مسيرة السياحة الدينية العالمية، فالعالم الذي سيأتي إلى المغطس عام 2030 لن يرى موقعاً أثرياً فحسب، بل سيعيش تجربة متكاملة تبدأ منذ لحظة الوصول إلى المملكة، وتمتد إلى مستوى الخدمات والبنية التحتية وسهولة الحركة وجودة التنظيم والرسالة الثقافية والإعلامية التي تروي قصة المكان.
ولأن المناسبة تحمل بعداً عالمياً، فإن الجاهزية يجب أن تكون على المستوى نفسه، فكل مشروع يُنجز، وكل خدمة تُطور، وكل طريق يُستكمل، وكل رسالة إعلامية تُصاغ، تشكل جزءاً من صورة الأردن في أعين العالم. ولذلك يجب أن يكون العمل متصلاً لا موسمياً يتوقف وقد يبدأ فعليا بعد الاحتفال بالمناسبة، وأن يقوم على التخطيط الدقيق لا ردود الأفعال.
وهنا لا بد من التأكيد أن الحكومة الأردنية تعمل بجدية واهتمام كبيرين في هذا الملف، وأن اللجنة الوطنية العليا تضطلع بمهمة عظيمة الشأن، وتتحمل مسؤولية وطنية وتاريخية كبيرة، وأجزم أن اللجنة على قدر عالٍ من المسؤولية لإدارة هذا الملف، لكن نجاحها يتطلب إسناداً مؤسسياً وتنفيذياً متكاملاً، وتعاون جميع الجهات ذات العلاقة وفق رؤية واحدة وأهداف واضحة.
فالنجاح لا يمكن أن يكون مسؤولية اللجنة وحدها، كما أن الاحتفال بهذا الإرث والكتابة عنه والترويج له ودعمه وإسناد نجاحه ليست جهوداً تُلقى على عاتق المسيحي الأردني وحده، إنها مسؤولية وطنية مشتركة، ينهض بها المسلم والمسيحي معاً، لأن ما يحتضنه الأردن في المغطس ليس إرث فئة أو طائفة، وإنما إرث الأردن بأكمله، وجزء أصيل من تاريخه وهويته ورسالة التعايش والتآخي التي شكلت على الدوام إحدى سماته.
وهذا ما ينبغي أن يكون جزءاً من الرسالة الأردنية إلى العالم: أن الأردن لا يحتضن موقعاً مسيحياً فحسب، بل يحتضن إرثاً إنسانياً وحضارياً يؤمن الأردنيون جميعاً بأهمية حمايته والمحافظة عليه وتقديمه للعالم. واستمرار الأردن في احتضان هذا الإرث يعكس دولة تعتز بتنوعها، وتحترم موروثها، وتحول هذا التنوع إلى رسالة سلام وتعايش وحوار.
كما أن النجاح الحقيقي لا يتحقق بالاجتهادات الفردية أو الاجتماعات وحدها، بل بمنظومة وطنية تتكامل فيها الأدوار بين المؤسسات، ويصبح لكل جهة مسؤولية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، لأن المشروعات الوطنية الكبرى لا تُدار بالتوقعات، وإنما بالأرقام والنتائج والتقييم المستمر.
ولا يقل أهمية عن ذلك بناء سردية أردنية متماسكة تخاطب العالم بلغته، وتقدم المغطس بوصفه أحد أهم المواقع الدينية في التاريخ المسيحي، بما يحمله من رمزية روحية ورسالة إنسانية جامعة، فالمنافسة ليست فقط على استقطاب الزوار، بل على ترسيخ مكانة الأردن في الوعي العالمي، وتحويله إلى محطة رئيسية على خارطة الحج المسيحي لعقود مقبلة.
إن عام 2030، وهو على الأبواب، ليس موعد احتفال فقط، بل موعد اختبار لقدرة الأردن على تحويل موقع المغطس من شاهد على التاريخ إلى مركز عالمي للحوار الديني والسياحة الروحية والتنمية المستدامة.
وإذا نجحنا في هذا الاختبار، فلن نكون قد أنجزنا احتفالية ناجحة فحسب، بل سنكون قد رسخنا مكانة الأردن بوصفه الحاضن لأحد أعظم الأحداث في التاريخ الإنساني، وحولنا ألفي عام من الذاكرة إلى مستقبل من الإنجاز.






















