اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

م مدحت الخطيب يكتب: الحزب ليس دكاناً: حين يصبح التنظيم معياراً للنجاح السياسي

م مدحت الخطيب يكتب: الحزب ليس دكاناً: حين يصبح التنظيم معياراً للنجاح السياسي
نبأ الأردن -
سأتحدث هنا بكل تجرد وشفافية وأمانة ومصداقية، لا من موقع الخصومة ولا من موقع الانحياز، وإنما من تجربة ذاتية عشتها وخبرتها عن قرب لأكثر من عشرين عاماً في العمل النقابي، ومن واقع مشاهدات لا تحتاج إلى كثير من التأويل

وأبدأ من المقال الذي كتبه الصحفي عبد الهادي المجالي بما له وما عليه ، وكذلك الحديث والحوارات التي نشاهدها ونسمعها عن قدرة الأحزاب الأردنية على التأثير في الشارع الأردني، وهل الأحزاب المتواجدة على الساحة اليوم، رغم كثرتها، قادرة على خلق حالة سياسية يقبل بها الشارع وينخرط المواطن البسيط بالعمل لأجلها ، أحزاب ستصل بنا إلى حكومات حزبية كما يريد لها جلالة الملك، وكررها في أكثر من مناسبة،. ما تضمنه مقال الأستاذ عبد الهادي رغم العمق في الطرح والجرّة من حديث عن الإخوان المسلمين، أو حزب الأمة، وعن قياداته، وفي مقدمتهم الأستاذ صالح العرموطي، والمرحوم عبد اللطيف عربيات، وهمام سعيد، وحمزة منصور، وغيرهم من قادة الحزب الأوائل، وما تبوّؤوه من موقع يحظى بالاحترام في الشارع الأردني، وعن المقارنة بين ما يقدمه هذا التيار بالقادة الجدد وما تقدمه التيارات والأحزاب الأخرى، فيه من الإجحاف والظلم الكبير للقديم والحديث، رغم وجود قيادات جديدة لها لمسات تُحترم، من أمثال الدكتورة ديمه طهبوب وغيرها ، ولكنها لا تصل الى جيل الأوائل فشخص بحجم الدكتور أحمد الكوفحي شافاه الله وعافاه من كل شر يعادل جيل بأكمله فما بالك بالحديث عن عبد المجيد ذنيبات رحمه الله

أقولها بصراحة: قد أختلف مع حزب الأمة الوريث للإخوان المسلمين في كثير من المواقف والأفكار، وقد أتفق معهم في بعضها، لكن الاختلاف السياسي لا يمنعني من الاعتراف بما رأيته بعيني، وبما خبرته خلال سنوات طويلة من العمل النقابي. وهنا أتحدث عن النشاط الانتخابي والتحشيد والانضباط والدعم، وهو ما حقق لهم هذا الفوز الكبير في الانتخابات الأخيرة

ولكي أقترب أكثر من واقع التجربة، سأتحدث عما كان يحدث خلال سنوات امتدت لأكثر من ربع قرن في نقابة المهندسين الأردنيين. كانت صفوف الإخوان المسلمين، ومن خلال ذراعهم الانتخابي الذي عُرف بالقائمة البيضاء، الأكثر تنظيماً واتزاناً وانضباطاً من الناحية الانتخابية والتحشيدية.

لم أجد، خلال تجربتي النقابية وترشحي للانتخابات لأكثر من مرة، ذلك القدر من الطعن والتشكيك والتآمر الداخلي بين أبناء القائمة البيضاء كما كنت أراه في تجارب أخرى. كانت القيادات تُختار، وقد يكون بعض من يتبوأ المواقع أقل خبرة أو كفاءة أو معرفة من غيره، لكن الجميع كان يلتزم بالقرار، ويعمل ضمن منظومة واحدة، ويذهب إلى الانتخابات باعتباره جزءاً من مشروع جماعي، وهذا بالطبع كان يحقق لهم في كل مرة فوزاً كاسحاً

وهنا تحديداً تكمن القوة التي يفتقدها الآخر

أما التكتلات الأخرى، رغم أنني كنت مستقلاً فيها، فكانت تختلف عن ذلك بكثير. خلال السنوات الماضية خضت الانتخابات في مراحل مختلفة تحت مظلة القائمة الخضراء، ثم لاحقاً «نمو»، وكنت أرى بعيني كيف يمكن لبعض من يرفعون شعار القيادة أن يعملوا، في الوقت ذاته، على إضعاف القائمة التي ينتمون إليها

كانت الدسائس تُحاك ليلاً ونهاراً من البعض، وكان بعضهم يجالسك في النهار ثم يعمل ضدك في الخفاء. وهذه ليست شكوى شخصية مع انني عشتها ، وإنما شهادة أقولها لله، وأقولها للوطن، وأتركها للتاريخ، وعاشها كثير من الصادقين وتألموا منها

على الصعيد الشخصي، لي أصدقاء كثر، بالمئات وربما بالآلاف، من أبناء القائمة البيضاء. كان الاحترام والتقدير فيما بيننا دائماً، وتجمعني بهم علاقات طيبة ومحبة واحترام، لكن عندما يأتي يوم الانتخاب، كان كثير منهم لا يصوت لي، بل لا يمنحني صوته، وبالعلن يقولها

لماذا؟

لأنهم ملتزمون انتخابياً

وهنا، مرة أخرى، يجب أن نكون منصفين. قد لا يعجبك التنظيم، وقد لا تتفق مع فكرته، لكنك لا تستطيع أن تنكر قدرته على الالتزام بقرار جماعي وتحويله إلى قوة انتخابية حقيقية.

وبالمقابل، وعلى الطرف الآخر، كنا نسمع كثيراً عبارات من نوع: «أنا حر في قراري»، و«أنا أقرر عن نفسي»، و«أنا لي رأيي»، و«أنا بشكل مختلف ولا اساق كالقطيع ».

وهذا جميل من حيث المبدأ، بل يجب أن يكون

فالديمقراطية الحقيقية تفترض أن يتجه الجميع نحو الأفضل، وأن يكون معيار الاختيار هو الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز. والاستقلالية في الأصل قيمة سياسية ونقابية محترمة، وكنت شخصياً أمارسها وأترشح مستقلاً وأفوز مستقلاً

لكن إذا اخترت أن تنتمي إلى لون سياسي أو قائمة انتخابية أو حزب معين، فإن الانتماء يفرض قدراً من الالتزام بمخرجات هذا الإطار، وإلا فإنك في الحقيقة لا تنتمي إليه، وعليك أن تبحث عن إطار آخر يتوافق مع قناعاتك، أو تكون مستقبلاً قولاً وعملاً وترشحا وانتخابا

هذه ليست دعوة إلى إلغاء الرأي الآخر، بل دعوة إلى فهم الفرق بين الاختلاف داخل التنظيم وبين إفشال التنظيم من داخله

وهنا أتفق إلى حد كبير مع ما طرحه الاستاذ عبد الهادي المجالي، وما يُطرح بين الحين والآخر، وما قلته مراراً وتكراراً لأمناء أحزاب وشخصيات حزبية عند دعوتي للانخراط في أحزابهم

في الختام، أقول: لقد شاهدت بأم عيني كيف أُديرت الانتخابات النيابية الماضية، وكيف جرى التحشيد لها إعلامياً من أحزاب قيل إنها ستجتاح الصناديق وستحقق فوزاً كاسحاً، وكيف كان العمل بصمت من طرف الإخوان المسلمين، وكيف تمت إدارة المشهد، وكيف اختيرت الأسماء، وكيف طُرحت الشخصيات، وكيف تحول القرار التنظيمي إلى ماكينة انتخابية تعمل في يوم الاقتراع بكفاءة واضحة

نعم، شاهدنا في أحزاب أخرى كيف تُطرح الأسماء أحياناً دون أن يكون هناك مشروع انتخابي واضح، أو منظومة تنظيمية قادرة على تحويل الاسم إلى صوت، والفكرة إلى حضور، والحضور إلى مقعد

وهنا نصل إلى النقطة الأهم في المشهد السياسي الأردني اليوم: هل لدينا أحزاب منافسة وقادرة على إقناع الشارع، وخصوصاً الشباب؟

وخصوصاً أننا نعيش في عصر التدفق الإلكتروني الهائل. ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً أساسياً من العمل السياسي والانتخابي، وهي تمنح التنظيم القوي قوة إضافية، لكنها في الوقت ذاته تكشف ضعف التنظيمات الأخرى.

لم تعد الانتخابات تُدار بالخطابات وحدها، ولا بالشعارات وحدها، ولا بحضور الشخص في الديوان أو المناسبة

الانتخابات اليوم تحتاج إلى تخطيط، وتنظيم، وقواعد بيانات، وحضور ميداني، وإدارة إعلامية، وقدرة على التواصل، وتحشيد، وانضباط، وتوزيع للأدوار، والأهم من كل ذلك: قرار يُحترم داخل التنظيم

ولهذا أقولها بكل وضوح: مع ما لحزب الأمة والإسلاميين من ملاحظات وما عليهم من انتقادات، فإنهم، في تقديري ومن واقع تجربتي، كانوا الأكثر تنظيماً، والأكثر اجتهاداً في الوصول إلى أهدافهم، والأكثر قدرة على تحويل الانتماء السياسي إلى فعل انتخاب والأكثر صدقا في دعم من يمثلونهم

وهذا ليس مديحاً أيديولوجياً، ولا إعلاناً عن تحول سياسي، وإنما شهادة رجل عاش التجربة من الداخل ومن خارجها، وخاض الانتخابات مستقلاً، وراقب المشهد لأكثر من عشرين عاماً

والحقيقة التي يجب أن تقال للأحزاب الأخرى، إذا كانت تريد أن تنجح في التجربة الحزبية الجديدة، عليها أن تتعلم من خصومها قبل أصدقائها

عليها أن ترتقي في التخطيط

أن ترتقي في التنظيم

أن تتعلم الانضباط

أن تحترم قرارها الداخلي

أن تختار مرشحيها وفق معايير واضحة

وأن تتوقف عن إدارة الأحزاب بعقلية ما وصفناه نحن كثيراً بـ«نظام الدكاكين»؛ حيث لكل شخص دكانه، ولكل قيادي جماعته، ولكل مرشح حساباته، وحين تقترب ساعة الانتخابات يبدأ الجميع بالبحث عن مصلحته الخاصة

يا سادتي الحزب ليس دكاناً

والقائمة ليست مجموعة أفراد يجمعهم شعار

والعمل السياسي ليس مناسبة موسمية

الحزب الحقيقي مؤسسة لها مشروع، وقرار، وهيكل، وانضباط، وقواعد، ومسؤولية، وقدرة على إقناع الناس قبل أن تطلب منهم أصواتهم

وفي النهاية، لا أعتقد أن المطلوب من الأحزاب الأخرى أن تصبح نسخة عن الإسلاميين، فهذا غير ممكن ولا مطلوب لدولة مثل الأردن

المطلوب أن تصبح أحزاباً حقيقية

أن يكون لديها ما لدى الآخرين من تنظيم، وأن تضيف إليه ما تملكه هي من أفكار وبرامج وتجارب ورؤى

فالديمقراطية لا تعني الفوضى، والتعددية لا تعني الانقسام، والاستقلالية لا تعني إفشال الجماعة من الداخل

ومن أراد أن ينافس حزباً منظماً، فعليه أولاً أن يكون منظماً.

ومن أراد أن يقنع الناس ببرنامجه، فعليه أن يمتلك القدرة على الوصول إليهم

ومن أراد أن ينجح في الانتخابات، فعليه أن يفهم أن الانتخابات تبدأ قبل يوم الاقتراع بسنوات، لا في صباح اليوم الذي تفتح فيه صناديق الاقتراع

هذه شهادتي، كما رأيتها وعشتها

لا دفاعاً عن أحد، ولا هجوماً على أحد

هي إنصافاً للحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة في غير صفنا

فالسياسة في نهاية الأمر ليست ما نقوله عن أنفسنا، وإنما ما نستطيع أن نفعله على أرض الواقع

حمى الله الأردن وجيشه وشعبه وقيادته، وسيبقى على هذه الأرض ما يستحق العمل والإنجاز والبناء
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions