اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أ.د. حسن عبدالله الدعجه يكتب: يوسف الشواربة... بصمة لا تُمحى في تاريخ عمّان

أ.د. حسن عبدالله الدعجه يكتب: يوسف الشواربة... بصمة لا تُمحى في تاريخ عمّان
نبأ الأردن -
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
حين يُكتب تاريخ عمّان الحديث، ويُبحث عن المرحلة التي انتقلت فيها العاصمة من إدارة الخدمات اليومية إلى بناء مدينة عصرية ذات بنية تحتية متقدمة، ونقل عام منظم، وإدارة إلكترونية، فإن اسم الدكتور يوسف الشواربة سيحضر بوصفه أحد أبرز صانعي هذا التحول. فمنذ توليه قيادة أمانة عمّان عام 2017، لم يتعامل مع موقعه باعتباره منصبًا بروتوكوليًا، بل مسؤولية تنفيذية تتطلب قرارات شجاعة، ومتابعة ميدانية، وقدرة على تحويل الخطط المؤجلة إلى مشروعات يلمسها المواطن في حياته اليومية. السيرة الرسمية للدكتور يوسف الشواربة
لقد أحدث الشواربة واحدًا من أضخم التحولات في البنية التحتية للعاصمة. ولم يقتصر ذلك على أعمال الصيانة والتعبيد، بل امتد إلى حلول مرورية نوعية شملت الأنفاق والجسور والتقاطعات. ففي عهده أعيد تأهيل نفق الصحافة وافتتح عام 2018 مع جسر علوي مخصص لمسار الباص السريع، وافتتح شارع الستين، ثم أنجز نفقا منطقة طارق العلوي والسفلي عام 2021، وأعيد تأهيل تقاطع المدينة الرياضية بإنشاء جسرين علويين ومحطة ركاب ومسار للباص سريع التردد. هذه المشروعات لم تكن مجرد كتل إسمنتية، بل حلولًا ربطت أجزاء المدينة، ورفعت كفاءة الحركة، ومهّدت لنظام نقل جماعي حديث. أبرز مشروعات البنية التحتية في عمّان
غير أن الإنجاز الأبرز والأكثر التصاقًا باسم الشواربة يبقى مشروع الباص سريع التردد. ومن الأمانة التاريخية القول إن فكرة المشروع وأعماله الأولى سبقت عهده، لكن المشروع تعثر سنوات طويلة وأصبح عند كثيرين رمزًا للتأجيل. وهنا ظهر القرار الجريء: عدم الهروب من المشروع أو دفنه، بل تحمّل مسؤولية استكماله وإخراجه إلى النور. لقد أعاد الشواربة للمشروع زخمه، وتابع تنفيذ بنيته التحتية وربط الجسور والأنفاق والمحطات بالمسارات، حتى بدأ التشغيل عام 2021، ثم استمرت الشبكة في التوسع داخل عمّان وإلى الزرقاء ومادبا والطفيلة ومعان.
وتكشف الأرقام حجم التحول؛ ففي عام 2025 بلغ أسطول الباص السريع 182 حافلة تعمل على ثمانية مسارات ضمن شبكة طولها 182 كيلومترًا. وسجل داخل عمّان أكثر من 15.7 مليون راكب خلال العام، إضافة إلى نحو 7.8 مليون راكب على خط عمّان–الزرقاء. كما عمل «باص عمّان» عبر 130 حافلة على 33 مسارًا تغطي شبكة بطول 736 كيلومترًا. والأهم أن المواطن أصبح يتعامل مع خدمة ذات مسارات معروفة، ومواعيد محددة مسبقًا، ودفع إلكتروني، وأنظمة تتبع ورقابة؛ وهي سمات اعتدنا رؤيتها في العواصم الحديثة. إنجازات أمانة عمّان لعام 2025
ولم يتوقف مشروعه عند الحافلة والطريق، بل امتد إلى مفهوم المدينة الذكية. فقد نفذت الأمانة أنظمة النقل الذكية، ووسّعت الدفع الإلكتروني والتتبع، وإعادة تأهيل مجمع رغدان بوصفه نقطة نقل رئيسة، وأطلقت مسارًا يربطه بصويلح باستخدام حافلات كهربائية في تجربة رائدة. وبذلك تحولت المواصلات من حركة عشوائية يصعب توقعها إلى خدمة قابلة للتخطيط، يستطيع الطالب والموظف والمواطن أن يبني وقته على جدولها؛ وهو تغيير اجتماعي واقتصادي لا يقل أهمية عن الجسور والأنفاق.
أما التحول الإلكتروني، فهو إنجاز إداري لا يقل ضخامة عن منجز البنية التحتية. فقد أصبحت أمانة عمّان، وفق بياناتها المنشورة، أول مؤسسة وطنية تقدم جميع خدماتها إلكترونيًا، بعدد بلغ 134 خدمة، وانخفضت أعداد المراجعين بنسبة 98.7 في المئة. وشمل التطوير التراسل اللاورقي، والتوقيع الإلكتروني، وخدمات نظم المعلومات الجغرافية، والربط الإلكتروني مع الوزارات والمؤسسات، والتفتيش الموحد، ومركز الاتصال 102. وهكذا انتقلت المعاملة من الطابور والورق وتعدد النوافذ إلى منصة أكثر سرعة ووضوحًا وعدالة. تقرير وكالة الأنباء الأردنية عن خدمات الأمانة
وتتضح شمولية هذا النهج في استمرار مشروعات الطرق والإنارة والسلامة المرورية وتصريف مياه الأمطار وتطوير الأحياء والحدائق والمسارات السياحية. فلم تنحصر الإدارة في مشروع استعراضي واحد، بل عملت على شبكة متكاملة من الخدمات تمس حياة المواطن في مختلف مناطق العاصمة. وهذا هو الفارق بين إدارة تعالج مشكلة طارئة، وإدارة تبني رؤية طويلة المدى لمدينة تنمو بسرعة وتواجه تحديات سكانية ومرورية وبيئية متزايدة.
كما رسّخ الشواربة العمل المؤسسي من خلال شركات «رؤية عمّان» للنقل والاستثمار ومعالجة النفايات، وربط المشروعات بخطط استراتيجية قابلة للقياس، وعزز الإنارة الموفرة للطاقة والحلول البيئية والاستثمار في مرافق المدينة. ولم يكن غريبًا، والحال هذه، أن ينال عام 2025 جائزة التميز الحكومي العربي عن فئة «أفضل مدير بلدية في المدن العربية»، وهي شهادة تعكس تقديرًا مهنيًا لمسار يتجاوز الخطاب إلى النتائج.
لقد تحقق هذا التحول في ظل دعم ملكي متواصل وغير محدود لمسيرة تحديث العاصمة، وبتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي أراد لعمّان أن تكون مدينة تليق بالأردنيين وتنافس العواصم المتقدمة. وقد أحسن الشواربة تحويل هذا الدعم إلى برامج ومشروعات وقرارات على الأرض، مثبتًا أن الرؤية السياسية تحتاج إلى إدارة جريئة تنفذها وتحمي استمراريتها.
قد يختلف الناس في تقييم أي تجربة إدارية، وهذا أمر طبيعي، لكن الوقائع الماثلة في شوارع عمّان ومحطاتها وخدماتها الرقمية يصعب تجاهلها. وإذا كان لكل أمين سابق جهده وإنجازه الذي يُحترم، فإن حصيلة عهد الدكتور يوسف الشواربة، من حيث تنوعها واتساعها وجرأة ملفاتها، تكاد توازي حصيلة مراحل متعاقبة من العمل البلدي. لقد أنجز ما عجزت سنوات طويلة عن حسمه، وترك بصمة لا تُمحى في ذاكرة العاصمة؛ بصمة عنوانها الجرأة في القرار، والاستمرارية في التنفيذ، والإيمان بأن عمّان تستحق أن تكون في مصاف العواصم الحديثة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions