اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. وليد العريض يكتب: مَن يطلق الصاروخ الأول... ومَن يحتمل الصاروخ الأخير؟

د. وليد العريض يكتب: مَن يطلق الصاروخ الأول... ومَن يحتمل الصاروخ الأخير؟
نبأ الأردن -
ليست المشكلة الكبرى في الحروب الحديثة فيمن يستطيع إطلاق الصاروخ الأول، فالدول الكبرى تملك من القاذفات والأساطيل والصواريخ والتكنولوجيا ما يجعل بدء الحرب قرارًا يمكن اتخاذه في ساعات قليلة، لكن المعضلة الحقيقية تبدأ بعد ذلك حين يصبح السؤال الأكثر قسوة هو من يستطيع احتمال الصاروخ الأخير ومن يملك القدرة السياسية والاقتصادية والعسكرية والنفسية على البقاء واقفًا حتى تنتهي الحرب التي قد يعرف الجميع كيف تبدأ ولا يعرف أحد كيف تنتهي.
ترامب وسياسة الصاروخ الأول
يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شديد الميل إلى استخدام التهديد العسكري أداةً للتفاوض، فهو يرفع سقف الخطاب إلى الحد الذي يجعل خصمه والعالم يتوقعان اقتراب الانفجار، ثم يترك في اللحظة الأخيرة نافذة يمكن أن تدخل منها الوساطات والمفاوضات ليقدم ما يتحقق بعدها بوصفه ثمرة للقوة الأمريكية وانتصارًا لسياسة الضغط حتى عندما تكون النتيجة الفعلية تسوية اضطر إليها الطرفان.
والولايات المتحدة قادرة بلا شك على توجيه ضربة عسكرية واسعة إلى إيران بما تمتلكه من تفوق جوي وبحري وصاروخي وتقني، غير أن القدرة على تدمير أهداف عسكرية أو منشآت استراتيجية لا تعني بالضرورة القدرة على تحويل ذلك التفوق إلى انتصار سياسي دائم، لأن إيران ليست هدفًا معزولًا يمكن ضربه ثم إغلاق ملفه بل دولة كبيرة تملك موقعًا جغرافيًا حساسًا وقدرات عسكرية وشبكة نفوذ تجعل نتائج الحرب أبعد كثيرًا من حدود أراضيها.
إيران التي حفظت لعبة التهديد
تعلم طهران أن ميزان القوة العسكرية التقليدية يميل بوضوح إلى الولايات المتحدة ولذلك لا تحاول أن تنافسها طائرة بطائرة أو سفينة بسفينة، لكنها تبحث عن المساحات التي تستطيع فيها تحويل ضعفها العسكري النسبي إلى قدرة على الردع ورفع الكلفة، ولهذا تدخل الجغرافيا والطاقة والزمن وممرات الملاحة والنفوذ الإقليمي في الحساب الإيراني باعتبارها أسلحة سياسية لا تقل أهمية في بعض اللحظات عن الصواريخ.
وقد أصبح تكرار التهديد الأمريكي عاملًا يدخل في الحسابات الإيرانية نفسها لأن التهديد يفقد شيئًا من أثره كلما ارتفع إلى أقصى درجاته ثم عاد إلى طاولة التفاوض، وهو ما يمنح الإيرانيين فرصة لاختبار المسافة بين لغة واشنطن وما تستطيع أو تريد تنفيذه فعليًا، وبذلك تتحول سياسة حافة الهاوية إلى لعبة متبادلة يحاول فيها كل طرف إقناع الآخر بأنه أكثر استعدادًا للذهاب حتى النهاية.
هرمز حين تصبح الجغرافيا سلاحًا
يقف مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة باعتباره واحدًا من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم وهو ما يمنح إيران ورقة لا تصنعها مصانع السلاح ولا تحتاج إلى استيرادها من أحد، فكل اضطراب واسع في حركة الملاحة والطاقة عبر هذه المنطقة يمكن أن ينتقل سريعًا إلى الأسواق الدولية وأسعار التأمين والشحن، ثم يتحول الخوف من الحرب إلى تكلفة اقتصادية يتحملها حتى الذين يعيشون على بعد آلاف الكيلومترات من الخليج.
وهنا تكتسب سلطنة عُمان أهمية خاصة بحكم موقعها على الضفة الأخرى من المضيق وبحكم خبرتها الطويلة في الوساطة والمحافظة على قنوات الاتصال مع أطراف متعارضة، فحين تدخل مسقط على خط التهدئة لا يصبح الأمر مجرد وساطة بين خصمين متخاصمين، بل يتحول إلى محاولة لإدارة منطقة جغرافية يمكن أن يؤدي انفجارها إلى أزمة تتجاوز إيران والخليج لتصل آثارها إلى الاقتصاد العالمي.
هل هُزم ترامب؟
سيكون من المبالغة وصف أي عودة أمريكية إلى المفاوضات بأنها هزيمة عسكرية لترامب لأن الولايات المتحدة تظل القوة الأكبر في المعادلة من حيث القدرات التقليدية والاقتصادية والتكنولوجية، لكن العودة إلى التفاوض بعد رفع سقف التهديد تكشف في الوقت نفسه حدود القوة حين تواجه حسابات الكلفة والنتائج غير المضمونة، فالانتصار العسكري لا يتحول تلقائيًا إلى انتصار سياسي والقوة التي تستطيع بدء الحرب قد تجد نفسها عاجزة عن فرض شكل نهايتها.
ومن هنا يمكن فهم المكسب الإيراني بصورة أكثر دقة بعيدًا عن لغة الانتصارات المطلقة والهزائم النهائية، فنجاح طهران في البقاء طرفًا تفاوضيًا قادرًا على طرح مطالبه بعد الضغوط والتهديدات يمثل مكسبًا سياسيًا بحد ذاته، لكنه لا يلغي الاختلال الكبير في ميزان القوة ولا يعني أن إيران تستطيع احتمال حرب شاملة ومفتوحة بلا أثمان باهظة.
القنبلة التي لا تحتاج إلى يورانيوم
تملك إيران إلى جانب برنامجها النووي ورقة اقتصادية شديدة الحساسية تتمثل في الموقع الذي تشغله بالقرب من شرايين الطاقة العالمية، فاضطراب الملاحة لا يحتاج بالضرورة إلى حرب طويلة كي يترك أثره على أسعار النفط والغاز وكلفة النقل والتأمين، وهذا يجعل هرمز أشبه بقنبلة اقتصادية تستطيع تداعياتها الوصول إلى دول ليست طرفًا مباشرًا في الصراع.
وتزداد قيمة هذه الورقة لأن الصين وأوروبا ودول آسيا المستوردة للطاقة ودول الخليج نفسها تملك مصلحة واضحة في منع انفجار واسع في المنطقة، وهكذا تستطيع إيران أن تجعل أطرافًا لا تتفق معها سياسيًا تشترك معها في الرغبة بمنع الحرب، فتتحول معادلة الصراع من سؤال من يقف مع طهران إلى سؤال مختلف هو من يستطيع تحمل انهيار الاستقرار في الخليج.
ترامب يريد نصرًا وإيران تريد وقتًا
يحتاج ترامب إلى نتيجة يستطيع تقديمها لجمهوره بوصفها دليلًا على نجاح الضغط الأمريكي وعلى أن لغة القوة دفعت الخصم إلى التفاوض أو التراجع، بينما تحتاج إيران إلى الوقت الذي يسمح لها بالمحافظة على أوراقها وتحسين شروطها وتجنب ضربة استراتيجية واسعة، ولهذا يصبح الزمن نفسه جزءًا من الصراع وتتحول المفاوضات من بديل للحرب إلى امتداد لها بأدوات مختلفة.
فالمفاوض الإيراني لا يدخل الغرفة بعد انتهاء المواجهة وإنما يدخلها وهو يحمل معه ما يستطيع بلده تحمله وما يستطيع خصمه تحمله أيضًا، كما يدخل المفاوض الأمريكي وهو يحمل التفوق العسكري والعقوبات والقدرة الاقتصادية الهائلة، وبين القوتين تجري مساومة لا يحدد نتيجتها حجم الترسانة وحده بل قدرة كل طرف على تحويل عناصر قوته إلى مكاسب سياسية قابلة للاستمرار.
النووي ينتظر خلف هرمز
مهما ارتفع صوت أزمة هرمز يبقى البرنامج النووي الإيراني حاضرًا خلف المشهد لأنه القضية التي يمكن أن تعيد المواجهة إلى نقطة الانفجار في أية لحظة، فالتخصيب والمخزون النووي والرقابة والضمانات ومستقبل المنشآت كلها ملفات لا يمكن إخفاؤها طويلًا خلف خلافات الملاحة، كما أن كل تأخير في تسويتها يمنح طهران وقتًا إضافيًا ويزيد في المقابل قلق خصومها من طبيعة المرحلة التي قد يصل إليها البرنامج.
والخطر الأكبر أن يؤدي الضغط العسكري المفرط إلى نتيجة معاكسة لما يريده أصحابه عندما تبدأ بعض دوائر القرار في الدولة المستهدفة بالاعتقاد أن امتلاك قوة ردع قصوى هو الضمان الوحيد لمنع الاعتداء عليها، وعندها لا تعود القضية مجرد خلاف على نسب التخصيب أو أجهزة الطرد المركزي، بل تصبح معركة حول الخوف والوجود والبقاء وهي أخطر المعارك التي يمكن أن تدخلها الدول.
إسرائيل الغائب الحاضر
لا يمكن اختزال الصراع في واشنطن وطهران لأن إسرائيل حاضرة في قلب الحسابات الأمنية الإيرانية كما تحتل إيران موقعًا مركزيًا في التصورات الأمنية الإسرائيلية، ولذلك فإن أي تفاهم أمريكي إيراني يظل معرضًا للاهتزاز ما لم تؤخذ هذه الحلقة من الصراع في الحسبان، فشرارة واحدة في ساحة أخرى تستطيع إعادة الجميع من طاولة المفاوضات إلى الملاجئ.
وهذه هي المعضلة التي تجعل الشرق الأوسط منطقة شديدة القابلية للانفجار لأن الملفات لا تتحرك منفردة بل تتشابك فيها غزة ولبنان واليمن والعراق والخليج والبرنامج النووي والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، لذلك قد ينجح اتفاق في إغلاق باب واحد من أبواب الحرب ثم يكتشف الجميع أن أبوابًا أخرى بقيت مفتوحة، وعندها يصبح الاستقرار هدنة بين انفجارين لا سلامًا قادرًا على الحياة.
مَن يستطيع احتمال الصاروخ الأخير؟
إذا كان السؤال الأول هو من يستطيع إطلاق الصاروخ الأول فإن الإجابة العسكرية تبدو واضحة لأن الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا يسمح لها بالبدء متى اتخذت القيادة السياسية قرارها، غير أن السؤال الذي يحدد النتيجة التاريخية ليس متعلقًا بلحظة الإطلاق بل بما يليها، فالصاروخ الأول قد تحدد غرفة العمليات موعده بينما تبدأ بعد سقوطه سلسلة من النتائج لا يستطيع أصحاب القرار التحكم في جميع حلقاتها.
أما الصاروخ الأخير فقد لا يكون صاروخًا بالمعنى العسكري أصلًا بل قد يكون ناقلة نفط توقفت أو سوقًا مالية اهتزت أو قاعدة تعرضت للهجوم أو اقتصادًا استنزف أو اتفاقًا انهار، وقد يكون الأخطر من ذلك قرارًا استراتيجيًا يولد من رحم الخوف ويغير قواعد اللعبة كلها، ولهذا تصبح القدرة على احتمال النتائج أهم من القدرة على صناعة لحظة البداية.
بين الصاروخ الأول والصاروخ الأخير
علّمتنا تجارب التاريخ أن الإمبراطوريات كانت غالبًا بارعة في تحديد ساعة بدء حروبها لكنها لم تكن بالبراعة نفسها في اختيار ساعة انتهائها، كما علمتنا أن الطرف الأضعف لا يحتاج دائمًا إلى هزيمة الأقوى عسكريًا كي يمنعه من تحقيق أهدافه، فقد يكفيه أحيانًا أن يجعل ثمن الانتصار أعلى من المكاسب التي جاء المنتصر يبحث عنها.
ولهذا فإن السؤال الذي تواجهه واشنطن ليس ما إذا كانت قادرة على ضرب إيران لأن الجواب معروف قبل أن تبدأ الحرب، بل ما إذا كانت قادرة على تحمل كل ما قد يأتي بعد الضربة الأولى سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وإقليميًا، وعندما يصبح جواب هذا السؤال غامضًا يعود المفاوضون إلى الطاولة مهما ارتفع صوت المدافع ومهما بدا الصاروخ الأول قريبًا من منصة الإطلاق.
الخاتمة: حكمة الصاروخ الذي لم ينطلق
بين الصاروخ الأول والصاروخ الأخير تقع حياة شعوب واقتصادات دول ومستقبل منطقة عاشت من الحروب أكثر مما تحتمل ذاكرتها، ولذلك لا يكون المنتصر الحقيقي دائمًا صاحب القنبلة الأكبر أو الصاروخ الأبعد مدى، بل قد يكون ذلك الذي يمتلك القوة ثم يدرك أن الحكمة أحيانًا هي أن يمنع الحرب قبل أن تبدأ.
فالجيوش تستطيع تحديد لحظة إطلاق الصاروخ الأول لكنها لا تستطيع ضمان شكل العالم عند سقوط الصاروخ الأخير، وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يتذكرها ترامب وطهران وتل أبيب وكل من يقف عند حافة الحرب، لأن أعظم انتصار قد لا يكون في احتمال الصاروخ الأخير بل في امتلاك العقل الذي يمنع إطلاق الصاروخ الأول.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions