د.عبدالله محمد القضاه يكتب: حين تتحول فرحة التخرج إلى فوضى: إنصاف لجامعة البلقاء.. وبحث عن "جبر الخواطر"
نبأ الأردن -
بالأمس، كتبتُ بقلبٍ يعتصره الألم وانفعالٍ تحركه العاطفة، عن تلك الغصة التي ابتلعها 913 خريجًا وخريجة من كلية عجلون الجامعية. كتبتُ عن قسوة المشهد حين تُسرق فرحة العمر في لحظة، ويُحرم شبابنا وعائلاتهم من تتويجِ سنواتٍ من السهر والتعب بسبب فوضى أدت إلى إلغاء حفل تخرجهم. واليوم، وبعد أن هدأت غبار العاطفة واتضحت لي تفاصيل المشهد كاملة، وجدتُ أن الأمانة الصحفية والأخلاقية تفرض عليّ أن أقف وقفة مراجعة؛ فالإنصاف هو بوصلة الكلمة الحرة، والمسؤولية الوطنية تقتضي ألا نُحاكم مؤسساتنا أو أشخاصاً بأحكامٍ متسرعة قبل أن نستمع لنبض الحقيقة بشجاعة تملك القدرة على التراجع وإنصاف المؤسسة.
والحقيقة التي تجلت أمامي اليوم، هي أن كلية عجلون الجامعية، التابعة لجامعة البلقاء التطبيقية، واصلت أداء رسالتها الأكاديمية والمجتمعية بكل مسؤولية واقتدار، واضعةً طلبتها في مقدمة أولوياتها، وحرصاً على توفير كل ما من شأنه أن يكلّل مسيرتهم التعليمية بالنجاح. وقد تجسّد هذا الحرص بوضوح خلال حفل تخريج طلبة الدبلوم المتوسط، الذي أقيم يوم الثلاثاء الموافق 11 آب/أغسطس 2026، حيث بذلت إدارة الكلية واللجان التنظيمية جهوداً كبيرة واستثنائية، وعملت على مدى أسابيع متواصلة لإعداد الترتيبات التنظيمية والفنية والأمنية، بما يضمن إقامة الحفل بصورة تليق بمكانة الطلبة وذويهم، وهي ترتيبات حظيت في بدايتها بإشادة واستحسان الحضور.
إلا أن هذه المناسبة السعيدة شهدت، وللأسف، ممارسات وتجاوزات خرجت عن الإطار التنظيمي والحضاري الذي نأمله، لتجد الكلية نفسها فجأة تقف مكتوفة الأيدي أمام "تسونامي" بشري خارج عن كل مألوف. إذ لم يلتزم بعض الحضور وأولياء الأمور بأماكن الجلوس المخصصة لهم، أو بالأعداد المحددة لكل خريج، كما شهدت أرضية الملعب دخول أعداد من الحضور رغم تخصيصها حصراً للطلبة الخريجين. وكان الأكثر إيلاماً ما رافق ذلك من تسلق للبوابات واقتحام لحرم الملعب، ووصول الأمر في بعض الحالات إلى خلع البوابات واستخدام "قطاعات" لإحداث فتحات في السياج، فضلاً عن التعدي على منصة التخريج والاستيلاء على فولدرات التخريج وأجهزة الصوت والميكروفونات. وقد تسبب ذلك في حالة من الإرباك والازدحام والتدافع، أرهقت كوادر الأمن الجامعي والتنظيم، وحرمت الطلبة وذويهم من الاستمتاع بهذه اللحظات الجميلة.
هذا المشهد العبثي لم يكسر التنظيم فحسب، بل امتد أثره ليُسقط فرحة 913 خريجاً وخريجة من طلبة البكالوريوس، الذين دفعوا ثمن فوضى لم يصنعوها. وهنا يجب أن نتوقف قليلاً لنشعر بحجم الوجع؛ فالخريج الذي ارتدى "روب التخرج" وقضى ليلته يتخيل لحظة المناداة على اسمه، والأب الذي طوى تجاعيد تعبه منتظراً أن يرى ثمرة كفاحه، والأم التي جهزت زغاريدها ومسحت دموع الفرح مقدماً؛ ما ذنبهم أن تُسرق فرحتهم لأن البعض قرر أن يفرض حضوره بالقوة متجاهلاً أبسط قواعد الذوق العام؟ فحفل التخرج ليس مجرد كراسٍ ومنصة وشهادة تُسلّم في دقائق، إنه "ذاكرة عمر"، ولهذا فإن تداعيات تلك الفوضى تركت أثراً نفسياً عميقاً في نفوس الخريجين وذويهم.
من هنا نوجه نداءً خالصاً عنوانه "جبر الخواطر"؛ فاليوم، وإذ نُثمن عالياً جهود إدارة الكلية وجميع اللجان التنظيمية والأمن الجامعي وننصفهم، نرجو في الوقت ذاته ألا تتجاهل تلك القلوب التي كُسرت. المطلوب ليس البحث عن "كبش فداء"، بل البحث عن حل يعيد للطلبة فرحتهم. ندرك تماماً أن محافظة عجلون قد تفتقر حالياً لموقع مثالي يستوعب هذا العدد الكبير من الخريجين وفق متطلبات التنظيم والسلامة، لكن غياب المكان المناسب لا ينبغي أن يعني ضياع المناسبة. لذا، نأمل من إدارة جامعة البلقاء التفكير بجدية في إعلان موعد جديد لحفل التخريج في موقع بديل ومحكم أمنياً، أو تقسيم الخريجين على عدة حفلات مصغرة، في خطوة لن تكون مجرد إجراء إداري، بل واجب معنوي سيُسجل في رصيد الجامعة ويؤكد قدرتها على تحويل الأزمة إلى فرصة لتعزيز الانضباط.
إن ما حدث يستدعي منا جميعاً، كأولياء أمور وأبناء مجتمع محلي، وقفة صادقة مع الذات ومراجعة مسؤولة لسلوكاتنا في المناسبات العامة. فمؤسساتنا التعليمية وُجدت لبناء الإنسان وصناعة المستقبل، وهي بحاجة إلى احترامنا ودعمنا والتزامنا بتعليماتها، لا أن تتحول مناسباتها إلى ساحات للفوضى. فغرس قيم الانضباط والاحترام في نفوس أبنائنا يبدأ من سلوكنا نحن، ومن قدرتنا على تقديم القدوة الحسنة لهم، فالالتزام بالتعليمات والمحافظة على الممتلكات العامة وهيبة المؤسسات الوطنية هو التعبير الحقيقي عن الانتماء. أعتذر عن قراءتي الأولى المتسرعة، فالجامعة والكلية تستحقان الإنصاف، والخريجون يستحقون الإنصاف أيضاً. ولنحافظ جميعاً على فرحة أبنائنا، ولنجعل من مناسبات تخرجهم صوراً مشرقة تليق بإنجازاتهم، وبسمعة مؤسساتنا التعليمية، وبقيم مجتمعنا الأردني الأصيل، ولنتذكر دائماً أن الفرح حق مشروع، لكنه لا يعيش أبداً في الفوضى.

























