اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدكتور محمد الجبور يكتب: التعديل الوزاري وإهمال الوزارة "حين يصبح التغيير ضرورة لا ترفًا"

الدكتور محمد الجبور يكتب: التعديل الوزاري وإهمال الوزارة حين يصبح التغيير ضرورة لا ترفًا
نبأ الأردن -
التعديل الوزاري في أي دولة ليس عملية تجميل سياسية، ولا إعادة توزيع للكراسي، ولا محاولة لإعادة تدوير الوجوه. إنه، في جوهره، اختبار لجدية الدولة في تصحيح مسارها. وعندما تتراكم الملفات، وتتراجع الخدمات، ويشعر المواطن أن بعض الوزارات غائبة عن المشهد، يصبح التعديل الوزاري ضرورة سياسية وإدارية، لا مجرد خيار متاح.
المشكلة الحقيقية ليست دائمًا في الوزير وحده، بل في ثقافة إدارية كاملة تسمح للوزارة بأن تعمل بالحد الأدنى من المسؤولية، دون أن يكون هناك تقييم حقيقي للنتائج. فبعض الوزارات قد تستمر سنوات في إدارة الملفات بالطريقة ذاتها، رغم تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية، ورغم أن المواطن أصبح أكثر قدرة على المقارنة والمساءلة.
وهنا يجب أن نطرح السؤال الصعب: هل نقيس الوزير بعدد الاجتماعات التي يعقدها، أم بما ينجزه؟
الوزارة ليست مبنى، والوزير ليس لقبًا. الوزارة مسؤولية عامة، والوزير مؤتمن على قطاع كامل من قطاعات الدولة. وإذا بقيت الملفات تراوح مكانها، وتعطلت مصالح الناس، وغابت الحلول، فإن استمرار الوضع دون مراجعة يعني أن الدولة نفسها قبلت بالأمر الواقع.
الأخطر من ضعف الأداء هو إهمال الوزارة لدورها الحقيقي. عندما ينشغل الجهاز الإداري بالتفاصيل اليومية، بينما تُترك الملفات الاستراتيجية بلا حلول، تتحول الوزارة تدريجيًا من أداة لصناعة السياسات إلى جهاز لإدارة الأزمة فقط.
وهذا ما يجب أن يتوقف.
الأردن اليوم لا يحتاج إلى وزراء ينتظرون المشكلة حتى تصل إلى مكاتبهم، بل إلى وزراء يبحثون عنها قبل أن تصل. لا يحتاج إلى مسؤول يشرح أسباب التعثر بعد وقوعه، بل إلى مسؤول يمنع التعثر قبل حدوثه. ولا يحتاج المواطن إلى المزيد من البيانات، بقدر حاجته إلى نتائج يلمسها في حياته اليومية.
التعديل الوزاري الحقيقي يجب أن يبدأ من سؤال واحد: ماذا أنجز الوزير؟
ليس من العدل أن يُقيّم وزير على مدة بقائه في المنصب، أو على علاقاته، أو على قدرته في إدارة الصورة الإعلامية. المعيار يجب أن يكون واضحًا: الإنجاز، سرعة الاستجابة، جودة القرار، القدرة على إدارة المال العام، تطوير المؤسسات، وحل المشكلات.
ومن هنا، فإن أي تعديل وزاري لا يرافقه تقييم موضوعي لأداء الوزارات سيبقى مجرد تغيير في الأسماء، بينما تبقى المشكلة في مكانها.
نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة "من سيأتي وزيرًا؟" إلى ثقافة أكثر أهمية: "ماذا نريد من الوزير أن يفعل؟"
فالوزير القادم يجب أن يدخل الحكومة ومعه أهداف واضحة، ومؤشرات أداء معلنة، وجدول زمني للإنجاز، وأن يخضع بعد ذلك للمساءلة. وإذا فشل، فلا ينبغي أن تكون مغادرته مفاجأة؛ لأن الفشل في إدارة وزارة تمس مصالح ملايين المواطنين ليس شأنًا شخصيًا، بل مسؤولية عامة.
والأكثر خطورة أن تتحول بعض الوزارات إلى جزر منفصلة، كل وزارة تدير ملفها بمعزل عن الأخرى، بينما القضايا الوطنية مترابطة. الاقتصاد مرتبط بالتعليم، والتعليم مرتبط بسوق العمل، والاستثمار مرتبط بالإدارة، والإدارة مرتبطة بالتشريع، والتنمية مرتبطة بالنقل والطاقة والمياه.
الدولة لا تعمل بوزارات منفصلة، وإنما بمنظومة واحدة.
لذلك فإن التعديل الوزاري المطلوب ليس مجرد تعديل في الحقائب، وإنما إعادة تعريف لوظيفة الوزير نفسه: من مدير يومي للوزارة إلى قائد لسياسة عامة، ومن متلقٍ للمشكلات إلى صانع للحلول، ومن صاحب تصريحات إلى صاحب نتائج.
وإذا كانت هناك وزارة أثبتت التجربة أنها لا تقوم بدورها، أو مسؤول لم يستطع مواكبة حجم المسؤولية، فإن استمرار بقائه بحجة الاستقرار يصبح أحيانًا أكثر كلفة من التغيير.
فالاستقرار لا يعني الجمود.
والحفاظ على الأشخاص لا يجب أن يكون أهم من الحفاظ على هيبة الأداء العام وثقة المواطن بالدولة.
المطلوب اليوم حكومة تقرأ المستقبل، لا حكومة تنتظر المستقبل حتى يصطدم بها. حكومة تمتلك الجرأة على اتخاذ القرار، وتملك الشجاعة للاعتراف بالخطأ، وتملك القدرة على تغيير أدواتها عندما تثبت عدم فعاليتها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الإدارة العامة ليس الخطأ؛ فالخطأ يمكن تصحيحه. الأخطر هو أن يصبح التقصير طبيعيًا، والتأخير معتادًا، والإهمال مقبولًا، والمساءلة مؤجلة.
ولهذا فإن التعديل الوزاري، إذا حدث، يجب أن يكون رسالة واضحة بأن المرحلة القادمة ليست مرحلة مجاملات، وأن المنصب الوزاري ليس مكافأة، وأن المسؤولية العامة ليست امتيازًا.
الأردن يحتاج إلى حكومة تقاس بما تنجزه، لا بما تقوله، وإلى وزراء يعرفون أن كل يوم في المنصب هو يوم إضافي من المسؤولية أمام الدولة والمواطن.
فإذا كان التعديل الوزاري سيغيّر الوجوه فقط، فلا تنتظروا تغييرًا في الواقع. أما إذا غيّر فلسفة الإدارة، ومعايير الاختيار، وآليات التقييم والمساءلة، فقد يكون بداية حقيقية لاستعادة ثقة المواطن بالدولة
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions