اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

د. زهور غرايبة تكتب: بمناسبة اليوم الدولي للشباب

د. زهور غرايبة تكتب: بمناسبة اليوم الدولي للشباب
نبأ الأردن -
من العضوية إلى الفاعلية السياسية: قراءة في مؤشرات المشاركة الحزبية واستحقاق انتخابات الإدارة المحلية

شهدت الحياة السياسية والحزبية في الأردن خلال السنوات الأخيرة تحولات تشريعية ومؤسسية مهمة في إطار مسار التحديث السياسي، الذي أعاد التأكيد على دور الأحزاب باعتبارها إحدى القنوات الرئيسة لتنظيم المشاركة السياسية وتوسيع قاعدة التمثيل في عملية صنع القرار. ومع تقدم هذا المسار، تبرز أهمية الانتقال في قراءة واقع الحياة الحزبية من التركيز على حجم العضوية إلى تحليل مدى اتساع قاعدتها الاجتماعية، ونوعية المشاركة التي تنتج عنها، وقدرتها على الوصول إلى فئات جديدة من المواطنين.

وتشير بيانات عام 2026، حتى تاريخه، إلى أن عدد المنتسبين والمنتسبات إلى الأحزاب السياسية الأردنية بلغ **86,721 عضوًا وعضوة موزعين على 31 حزبًا سياسيًا**؛ منهم 50,336 من الذكور بنسبة 58.04%، و36,385 من الإناث بنسبة 41.96%. كما بلغ عدد المنتسبين من الشباب في الفئة العمرية 18–35 عامًا **30,428 شابًا وشابة، بما يعادل نحو 35.1% من إجمالي العضوية الحزبية**.

تعكس هذه البيانات وجود قاعدة حزبية مهمة تشكلت في ظل البيئة السياسية والتشريعية الجديدة، إلا أن دلالة هذه الأرقام لا ينبغي أن تقتصر على قياس حجم الانتساب. فالعضوية الحزبية تمثل أحد مؤشرات المشاركة السياسية المنظمة، لكنها لا تعكس بمفردها مستوى المعرفة السياسية أو نوعية المشاركة أو درجة الفاعلية داخل التنظيم الحزبي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى النظر إلى التوسع العددي باعتباره نقطة انطلاق نحو توسيع القاعدة الاجتماعية للعمل الحزبي وتعميق المشاركة فيه.

وفي هذا السياق، ترتبط عملية الاستقطاب الحزبي المستدام بمستوى المعرفة السياسية والحزبية المتاحة للمواطن. فالاختيار الحزبي القائم على معرفة البرامج والتوجهات والأولويات السياسية أكثر قابلية للتحول إلى مشاركة مستمرة من الانتساب الذي ينتهي عند حدود العضوية التنظيمية. ولذلك فإن تعزيز الثقافة الحزبية لا يمثل مسارًا منفصلًا عن توسيع قاعدة الأحزاب، وإنما يشكل أحد شروط استدامة هذا التوسع وتحوله إلى مشاركة سياسية ذات مضمون.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند النظر إلى الشباب، الذين يشكلون نحو 35.1% من إجمالي المنتسبين. فهذا الحضور يوفر قاعدة مهمة لتطوير المشاركة الشبابية، وفي الوقت نفسه يشير إلى أهمية استمرار جهود الوصول إلى قطاعات أوسع من الشباب وربط العمل السياسي بالقضايا التي تشكل أولويات مباشرة بالنسبة إليهم، بما في ذلك التشغيل والتعليم والتنمية المحلية والخدمات والاقتصاد والتكنولوجيا والمشاركة في صنع القرار. فكلما ارتبط الخطاب الحزبي بقضايا ملموسة وقابلة للنقاش والتحويل إلى سياسات، أصبح أكثر قدرة على بناء علاقة مستدامة مع الفئات الشابة.

كما تشير البيانات إلى حضور ملحوظ للنساء في القاعدة الحزبية؛ إذ بلغ عدد المنتسبات **36,385 امرأة، بنسبة 41.96% من إجمالي العضوية**. وفي المقابل، تتولى امرأتان فقط موقع الأمين العام من بين 31 حزبًا سياسيًا، أي ما يقارب 6.45% من المواقع القيادية العليا للأحزاب.

ولا تكمن أهمية هذا المؤشر في المقارنة العددية بحد ذاتها، وإنما في ما يطرحه حول المسار اللاحق للانتساب. فتعزيز مشاركة النساء يتطلب، إلى جانب الاستقطاب، تطوير بيئة حزبية تتيح فرصًا أوسع للتأهيل والممارسة والتدرج التنظيمي والوصول إلى مواقع التأثير والقيادة. وبذلك يصبح تقييم المشاركة أكثر ارتباطًا بمسارات الفاعلية داخل الحزب، وليس بمجرد الحضور في سجلات العضوية.

وتتصل هذه القراءة بصورة مباشرة بالاستحقاق المقبل لانتخابات الإدارة المحلية، الذي يمثل فرصة عملية لتعميق المشاركة الديمقراطية على المستوى الأقرب إلى حياة المواطنين. فالديمقراطية لا تتشكل فقط على مستوى المؤسسات الوطنية، وإنما تتأسس أيضًا من القاعدة المحلية، حيث تتقاطع المشاركة السياسية مع قضايا الخدمات والتنمية والبنية التحتية والنقل والفضاءات العامة والأولويات الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات.

ومن هذا المنظور، تمثل الإدارة المحلية مجالًا مهمًا لبناء الخبرة السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة، خاصة لدى الشباب والنساء. فالمشاركة في تحديد الأولويات المحلية، ومناقشة البرامج، واختيار الممثلين، ومتابعة أداء المجالس المنتخبة ومساءلتها، تشكل جميعها ممارسات ديمقراطية تسهم في بناء ثقافة سياسية لا تنحصر في يوم الاقتراع.

كما يمكن لانتخابات الإدارة المحلية أن توفر مساحة لتطوير أنماط الاستقطاب الحزبي ذاتها. فكلما استطاعت الأحزاب الانطلاق من القضايا المحلية واحتياجات المجتمعات في صياغة برامجها، أصبحت أكثر قدرة على بناء علاقة مع المواطنين تقوم على المصالح العامة والبرامج والسياسات، بدل الاقتصار على استقطاب العضوية بوصفها هدفًا مستقلًا.

وعليه، فإن المرحلة المقبلة من تطوير الحياة الحزبية تستدعي العمل على ثلاثة مسارات مترابطة: **توسيع قاعدة المعرفة والثقافة السياسية والحزبية، والوصول إلى فئات وقطاعات اجتماعية جديدة، وتعزيز فرص الانتقال من العضوية إلى المشاركة والتأثير والقيادة**. وتتقاطع في هذه المسارات أدوار الأحزاب والمؤسسات الرسمية والجامعات ومراكز الشباب ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام، مع ضرورة التمييز بين دور المؤسسات العامة والمدنية في التوعية السياسية المحايدة، ودور الأحزاب في الاستقطاب السياسي والتنظيمي.

إن بلوغ العضوية الحزبية أكثر من 86 ألف منتسب ومنتسبة يمثل مؤشرًا مهمًا في قراءة التحولات التي شهدتها الحياة الحزبية، إلا أن استدامة هذا التطور ترتبط بقدرة الأحزاب والفاعلين المعنيين على البناء عليه وتوسيع نطاقه الاجتماعي والسياسي. فزيادة العضوية تكتسب دلالة أعمق عندما تقترن بالمعرفة، وتتحول العضوية إلى مشاركة، وتوفر المشاركة مسارات فعلية نحو التأثير وصنع القرار.

ومع اقتراب استحقاق انتخابات الإدارة المحلية، تتعزز أهمية الاستثمار في هذه المسارات؛ فالمشاركة الديمقراطية المستدامة لا تتشكل فقط من أعلى البناء السياسي، وإنما تبدأ أيضًا من المجتمع المحلي، حيث تتكون الخبرة الأولى بالمشاركة والمساءلة والتمثيل، وحيث يمكن بناء قاعدة اجتماعية أوسع للعمل السياسي والحزبي في الأردن.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions