اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

م. صلاح طه عبيدات يكتب: مياه بني كنانة… حين تصبح قطرة الماء أصعب من عبور مضيق هرمز

م. صلاح طه عبيدات يكتب: مياه بني كنانة… حين تصبح قطرة الماء أصعب من عبور مضيق هرمز
نبأ الأردن -
في بني كنانة، لم يعد السؤال: متى تصل المياه؟
بل أصبح السؤال الأكثر فلسفة ووجعاً: هل ستصل المياه أصلاً؟
منذ نحو شهر، وبعد تغيير مسؤول توزيع أدوار المياه في قرية يبلا بالكفارات، تحوّل الماء من خدمة أساسية إلى حلم مؤجل، ومجهول التوقيت، أشبه بقضية مضيق هرمز؛ الكل يتحدث عنه، والجميع ينتظر، ولا أحد يعرف متى تنتهي الأزمة!
قبل شهر تقريباً، كانت المياه تصل عبر الأنابيب منسابةً دفاقاً، فتؤنس ليل العطاش، وتطرق خزانات البيوت كما يطرق الفجر أبواب القرى بعد ليلة طويلة.
أما اليوم، فقد أصبح الشوق إلى الماء عبثاً لا طائل منه.
خزانات المياه فوق أسطح المنازل تحولت إلى كائنات صامتة تشكو الجفاف، والناس صاروا يراقبون الصنابير كما يراقب المسافر شاشة المطار؛ لا موعد مؤكداً، ولا معلومة واضحة، ولا أحد يستطيع أن يقول لك: متى يأتي دورك؟
تسأل عن موعد المياه، فيأتيك الجواب وكأنه بيان صادر عن غرفة عمليات دولية:
بعد اثني عشر يوماً!
ثم يأتي اليوم الثاني عشر، فتسأل من جديد، فيقال لك:
انتظروا… نرد لكم الخبر في اليوم الثالث عشر!
يا لهذا العبث الإداري!
أي عقل إداري يستطيع أن يتعامل مع الماء، وهو عصب الحياة، بمنطق "نرد لكم الخبر"؟
المشكلة ليست في شح المياه وحده؛ فالأردن بلد فقير مائياً، وهذه حقيقة يعرفها الجميع. لكن الفقر المائي شيء، والفوضى في إدارة القليل المتاح شيء آخر تماماً.
نحن لا نطالب بمعجزة، ولا نطلب من وزارة المياه أن تستخرج نهراً من الصحراء.
نحن نطلب شيئاً أبسط بكثير:
أن نعرف متى تصل المياه إلى بيوتنا.
فإذا كانت المياه ستصل بعد عشرة أيام، قولوا عشرة أيام.
وإذا كانت بعد اثني عشر يوماً، قولوا اثني عشر.
وإذا كان هناك عطل أو نقص أو ظرف طارئ، قولوا للناس الحقيقة.
أما أن يعيش المواطن بين التخمين والإشاعة والاتصال بهذا وذاك، فهذه ليست إدارة مياه؛ هذه إدارة للقلق.
والأخطر من ذلك أن المواطن بدأ يدفع ثمن التخبط الإداري من حياته اليومية.
يشرب بحساب.
يغتسل بحساب.
ينظف منزله بحساب.
ويفكر ألف مرة قبل أن يفتح صنبور الماء.
حتى الوضوء أصبح في بعض البيوت مشروعاً يحتاج إلى تخطيط استراتيجي!
وقد يصل الأمر بالناس إلى التيمم للصلاة، لا لأن الماء غير موجود في الأردن، بل لأن الماء الموجود لم يعد يعرف طريقه إلى المواطن في الوقت الذي يحتاجه فيه.
وهنا تصبح المسألة فلسفة تتجاوز الأنبوب والخزان والصنبور.
فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على توفير الموارد، وإنما بقدرتها على إدارة الموارد بعدالة وكفاءة ووضوح.
حين يفشل النظام في إيصال قطرة الماء إلى بيت مواطن، فإن السؤال لا يعود عن الماء وحده، بل عن كفاءة الإدارة التي تقف بين المصدر والمواطن.
يا معالي وزير المياه،
كنت أقاوم نفسي كي لا أكتب إليك.
كنت أقول: ربما هناك ظرف، ربما هناك نقص، ربما هناك خلل فني، وربما تكون المشكلة مؤقتة.
لكن صدقني…
للصبر حدود.
وللمواطن أيضاً كرامة.
والكرامة في أبسط صورها أن يعرف الإنسان متى تأتيه المياه إلى بيته.
نحن لا نريد مسؤولاً لتوزيع الأدوار يتحول إلى "مركز تنبؤات" لا يعرف المواطن معه إن كان دوره غداً أم بعد أسبوعين.
نريد جدولاً واضحاً، معلناً، قابلاً للمساءلة.
نريد إدارة لا تجعل المواطن يطارد الماء بالهاتف، ولا تجعل العطش جزءاً من الروتين اليومي.
فالماء ليس منّة.
والماء ليس مكافأة.
والماء ليس امتيازاً تمنحه الإدارة لمن تعرفه وتحجبه عمن لا تعرفه.
الماء حق، وإيصاله بعدالة وكفاءة مسؤولية عامة.
وفي قرية يبلا بالكفارات، لا يحتاج المواطن إلى خطبة عن ترشيد المياه بقدر ما يحتاج إلى أن يرى الماء يجري في أنبوبه.
ولا يحتاج إلى تبرير طويل بقدر ما يحتاج إلى موعد صادق.
فإذا كان المواطن قد أصبح يعرف أسعار النفط العالمية، وحركة مضيق هرمز، وتقلبات الطقس، ومواعيد المباريات، فمن المؤسف أن يبقى عاجزاً عن معرفة السؤال الأكثر بساطة:
متى ستصل المياه إلى خزان بيتي؟
هذه ليست قضية صنبور.
إنها قضية إدارة.
وليست أزمة ماء فقط.
إنها أزمة ثقة.
وحين يصبح المواطن مضطراً إلى أن يسأل عشرات المرات عن موعد قطرة ماء، فإن المشكلة لم تعد في الأنبوب وحده…
بل في العقل الإداري الذي يدير الأنبوب.
فيا وزارة المياه:
أعيدوا للماء موعده… وللمواطن يقينه… قبل أن يتحول انتظار قطرة الماء إلى أزمة ثقة أكبر من خزانٍ فارغ فوق سطح منزل.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions